وانسجامًا مع صورة البطل الملحمي، ممثل الكمال والجلال، فإن الصورة الشاملة التي رسمها المديح النبوي تخرج على إطار التصور البشري الواقعي للرسول?، كما وردت في القرآن ?قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ? ( [8] ) . كما تخرج على تصور القصيدة الأم التي أنشدها كعب بن زهير وذلك لأنها تصوير للمعجز، وهو ما يعبر عنه التصوُّر الملحمي الذي يتفق مع المخيلة الشعبية، والتصور الإنساني العالمي للبطل من حيث البنى والوظائف؛ بالإضافة إلى التصور الذي رسمته كتب السيرة النبوية، فضلًا عن التصور الصوفي، وبخاصة فكرة"الإنسان الكامل"التي تعبر عن الحقيقة المحمدية أو النور المحمدي.
لملامسة تلك الصورة بشموليتها، ووفق ذلك النهج، سنضطر للوقوف عند قصيدة البردة للبوصيري لأنها تعد أنموذجًا للنبويات في العصر المملوكي، بل إن شهرتها تجاوزت إطارها التاريخي لتصبح أنموذجًا للنبويات بشكل عام. ولا نريد من القصيدة في هذا الموقع غير عنصر المديح النبوي، أو المواطن التي رسمت صورة الرسول? لنقف على مرجعيتها الثقافية ودلالتها الفنية والسيكولوجية باعتبارها موطن التناص في علاقة القصيدة بالنصوص الغائبة.
تتكشف الصورة في تمثيل الرسول? أنموذجًا لحامل الصفات الدنيوية والأخروية /القومية والدينية، بما فيها من صراع بين الحق والباطل/ الضعيف والقوي/ المسلمين والصليبيين.. ومن خلال ذلك التمثيل نقرأ مع البوصيري ومحمد رجب النجار ( [9] ) جزئيات العلاقة التناصية بين القصيدة ومرجعيتها الثقافية.
يبدأ البوصيري التشكيل الملحمي في القصيدة بعد المقدمات بذكر اسم الرسول? مقترنًا بأعظم صفاته التي تجعل منه رجل دين ودنيا، يقول على البسيط ( [10] ) :
مُحَمَّدٌ سَيِّدُ الْكَوْنَيْنِ وَالثَّقَلَيْـ