تخضع قصائد المديح النبوي في هيكلها العام إلى بنية ثابتة تقريبًا يتمحور فيها المديح حول سيرة الرسول? من مولده حتى وفاته، بما في ذلك شمائله وصفاته ونهج حياته الديني والدنيوي. وهو مديح تتحقق فيه السيرة النبوية على مستويين: فني يرتبط بالشعر كخطاب إبداعي، وسيكولوجي يرتبط بالوعي الاجتماعي في العصر المملوكي، وما يحيط به من معطيات اقتصادية واجتماعية وثقافية.
وعليه فإن الحديث عن التناص داخل قصيدة المديح النبوي لا يفسر المواقع الجزئية، كما لاحظنا في علاقة الشعر مع القرآن الكريم والحديث الشريف؛ لأن التفسير الجزئي يفقد قصيدة المديح النبوي مشروعيتها فنيًا ويسقطها في إطار السرد لصفات الرسول? ونهج حياته وسيرته الذاتية بما فيها من طبيعة بشرية وخصائص ملحمية، بالإضافة إلى وقوعها في التكرار. كما أنه يفصلها عن لحظتها التاريخية لتهيم في الفراغ دون مرجعية تاريخية واجتماعية وثقافية، وبالتالي تجريدها من حمولاتها الدلالية، كتجربة إنسانية معبرة عن الذاتين: الفردية والجماعية في الوقت نفسه.
ولكي نستطيع وضعها في موقعيها: الفني والتاريخي، لا بد من قراءة إعادة إنتاجها من السيرة النبوية في ضوء الوعي الاجتماعي الذي أنتجها كفعل دفاعي عن الذاتين: الفردية والجماعية ضد النكوص الوجودي بشكل عام. وهو ما يدعونا إلى تركيب جزئيات السيرة النبوية في صورة شاملة أراد الشاعر، من خلالها، التعبير عن واقعين: حاضر مأزوم وماض مشرق. وللخروج إلى مستقبل آمن، كان لا بد من منفذ تمثل في شعر النبويات بالرسول? باعتباره قوة مخلِّصة رسمتها مخيلة الشعراء بصورة البطل الملحمي، مثال الكمال والجلال.