نظم ابن العديم قصائد ومقطعات شعرية تناثرت في كتب التراجم والتاريخ والأدب تدل على قريحة فياضة وموهبة متدفقة لا تقل سموًا عن موهبة الكثير من الشعراء في العصر الأيوبي. وأغلب الظن أنه لم يجمع شعره في ديوان مستقل، ولم يتصدَّ أحد بعدُ لجمعه. ويبدو أن هموم العلم والانشغال بالتأليف وما كلّف به من أعمال لم تترك له سعة من الوقت للتفرغ لنظم الشعر والإقبال عليه، ومع ذلك فإن هذه الشذرات القليلة التي أبقى عليها الزمان وانتزعت من يد النسيان تؤكد أن للصاحب شعرًا غزيرًا دفن أكثره في غياهب الضياع والإهمال. إلا أن الدارس لهذه الآثار الباقية يستطيع أن يصل إلى فهم طبيعة العلاقة بين ابن العديم والشعر، إذ لا نكاد نقع في شعره على تلك الموضوعات التي نعهدها عند السابقين من الشعراء العرب، وإنما كان هاجس الشعر عنده يتوجه إلى تسجيل الخواطر السانحة والمعاناة الوجدانية والمحاورات الإخوانية، فإذا بنفسه تشف عن جليل الصفات ونبيل السجايا وكريم المواقف. كل ذلك بأسلوب يستجيب للطبع السليم، ويتجافى عن التعمل والصنعة والتقليد، بل إن القارئ ليحسّ وهو يمعن النظر في أبياته أن صاحبها لا يمتح من آبار غيره، ولا يحاول أن يقتنص معاني أسلافه أو معاصريه، إنما يندفع متوخّيًا الصدق والعفوية، على ما يقتضيه الموقف وتستدعيه المناسبة، ولهذا جاءت قصائده خالية من الحشو، مقتصدة في العبارة، تجمع حلاوة الألفاظ وبراعة الصياغة إلى طريف المعاني وجميل التصوير.
فها هو ذا يبعث بقصيدة إلى أمين الدين ياقوت المعروف بالعالم ( [7] ) ، يقول فيها:
يامن أبحتُ حمى قلبي مودَّته
أرسلتَ نحويَ أبياتًا طربتُ لها ... والفضل للمبتدي بالفضل إحسانا
فرحت أختال عُجبًا من محاسنها ... كشارب ظلَّ بالصهباء نشوانا
رقَّت وراقت فجاءت وهي لابسة ... من البلاغة والترصيع ألوانا
حكت بمنثورها والنظم إذ جُمعا ... بأحرف حَسُنتْ روضًا وبستانا