ويروي الشيخ شهاب الدين"محمود" ( [3] ) أن الكمال بن العديم لما وصل إلى الديار المصرية في بعض سفراته رسولًا إليها حمل إليه أيدمر المُحْيوي ( [4] ) شعره ليتصفحه، فطالعه وكتب عليه: ... لهم إن رَنَتْ بالسحر فيها وأجفانُ
وكنت أظن التركَ تختص أعينٌ
إلى أن أتاني من بديع قريضهم ... قوافٍ هي السحر الحلال وديوان
فأيقنتُ أن السحر أجمَعَه لهم ... يُقر لهم هاروت فيه وسَحبان
ومثل ذلك ما أنشده ببغداد لنفسه وقد التُمس منه بها مقال من خطه البديع: ... ورغبة في بديع الخط والأدبِ
يا من له همَّةٌ تسمو إلى الرتبِ
أسهرتَ ليلك في تحرير أحرفه ... وفي نهارك لا تصبو إلى تعب
طلبتَ مني مثالًا تستعين به ... على إجادة ما تبقيه في الكتب
فلم أجد منعَ ما حاولتَه حسنًا ... إذ كنتَ أهلًا لنيل النجح في الطلب
فهاك خطًا كزهر الروض باكَرَه ... طلُّ الندى وسقَتْه أعينُ السحب
يبدي لنا غرسَ بغدادٍ به ثمرٌ ... حكاه في الحسن منسوب إلى حلب
أقلامه سبعة تُزري برونقها ... وحسنِ منظرها بالسبعة الشهب
وقد ينظم مقطوعات قصارًا في مناسبة عارضة، أو موقف يدعو إلى التأمل واستنباط العظمة والحكمة، فلا يكل القلم، ولا تتأبى القريحة، ولا يسف البيان، فمن ذلك ما ذكره ابن شاكر الكتبي في (فوات الوفيات) نقلًا عن الحافظ أبي محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي ( [5] ) من ابن العديم كان قد ارتحل إلى العراق رسولًا، ومرّ بسامرّاء أو (سُرَّ من رأى) ، فوقف أمام آثارها الشاهدة على حضارتها البائدة، فأنشد بيتين يدلان على تفكره في فعل الزمان في الأمم والعمران، وهما قوله: ... محاسنُها الدوارسُ إذ نزلنا
نزلنا (سُرَّ مَنْ را) فازدَهَتْنا
وخاطبَنا لسانُ الحال منها ... حَلَلْنا قبلكم ثم ارتحلنا
ومن أبياته التي تظهر فيها النزعة التصويرية التقليدية قوله: ... هلالًا إليه آية المقصد الأسنى
بدا يسحر الألباب بالحسن والحسنى
وزرَّر أزرار القميص ترائبًا ... وضم إليه الدِّعْصَ والغُصُنَ اللَّدْنا