فهرس الكتاب

الصفحة 19173 من 23694

ولابن العديم مقطوعة شعرية ندر أن نجد لها مثيلًا في الشعر العربي من حيث جدة الموضوع وقوة العاطفة وعمق العلاقة بين الأب وابنه، وذلك أنها تنبع من وجدان شاعر تناءت به المسافات، وعصفت رياح الغربة، فإذا بنفسه يهيجها الحنين إلى ولده قاضي القضاة مجد الدين ( [6] ) ، فبعث إليه بهذه الأبيات: ... وشخصه في سويدا القلب والبصر

هذا كتابي إلى من غاب عن نظري

ولا يمنُّ بطيف منه يطرقني ... عند المنام ويأتيني على قدر

ولا كتاب له يأتي فأسمعَ من ... أنبائه عنه فيه أطيبَ الخبر

حتى الشمال التي تسري إلى حلب ... ضنَّت عليَّ فلم تخطر ولم تسر

أخصُّه بتحياتي وأخبره ... أني سئمت من الترحال والسفر

أبيتُ أرعى نجوم الليل مكتئبًا ... مفكرًا في الذي ألقى إلى السحر

وليس لي أرب في غير رؤيته ... وذاك عنديَ أقصى السول والوطر

ولا بد أخيرًا من الوقوف عند قصيدته الرائعة التي صور فيها ما ارتكبه التتار في حلب من فظائع وحشية لم يكن الهدف من ورائها إلا تدمير حضارة عامرة وإبادة سكان آمنين. وكانت هذه الكارثة قد وقعت سنة ثمان وخمسين وستمئة، فشرد الكثير ممن نجا منها من أهل حلب فارّين بأرواحهم وأبنائهم ونسائهم. وكان الصاحب بن العديم قد توجه تلقاء مصر، فأقام هناك قرابة العام، ثم رجع إلى حلب وقد نزح عنها التتار، فوجدها خرابًا يبابًا مشرفة على البيود من العمران والفراغ من الأهل والسكان، فتدفقت قريحته بقصيدة رثائية أودع فيها ما اعتلج في صدره من لواعج الأسى واللوعة بسبب هذه المحنة النكراء التي غدت مضرب المثل في تاريخ الهجمات الضارية. وقد ظلت هذه القصيدة مختفية زمنًا طويلًا مع ما اختفى من شعر الصاحب كمال الدين، إلا بضعة أبيات أوردها أبو الفداء في تاريخه، إلى أن عثر عليها المرحوم الدكتور سامي الدهان في مخطوطة"عقد الجمان"للعيني ( [7] ) ، فأورد بعضًا منها في مقدمة تحقيقه لكتاب"زبدة الحلب". يقول ابن العديم: ... وإن رمتَ إنصافًا لديه فتظلمُ

هو الدهر ما تبنيه كفاك يهدمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت