أباد ملوك الفرس جمعًا وقيصرًا ... وأصْمَتْ لدى فرسانها منه أسهم
وأفنى بني أيوبَ مَعْ كُثر جمعهم ... وما منهمُ إلا مليكٌ معظَّم
وملك بني العباس زال ولم يدع ... لهم أثرًا من بعدهم وهمُ هم
وأعتابهم أضحت تداس وعهدها ... تباس بأفواه الملوك وتلثم
وعن حلبٍ ما شئتَ قُل من عجائب ... أحلَّ بها يا صاح إن كنت تعلم
غداة أتاها للمنيّة بغتة ... من المُغْل جيش كالسّحاب عرمرم
أحاطوا كأسراب القطا بربوعها ... على سُبَّقٍ جُرْدٍ من الخيل طُهَّم ( [8] )
أتوها كأمواج البحار زواخرًا ... ببيض وسُمرٍ والقتامُ مخيِّم
وقد عُطّلت تلك العشار وأُذهلت ... مَراضع عما أرضعت وهي هُيَّم
فيا لك من يومٍ شديد لُغامُه ( [9] ) ... وقد أصبحت فيه المساجد تهدم
وقد درستْ تلك المدارس وارتمت ... مصاحفها فوق الثرى وهي ضخَّم
وقد جُزِّزت تلك الشعور وضُمِّخت ... وجُبْنَ بأمواه الدما وهي تلطم
وكل مهاة قد أهينت سبيّة ... وقد طالما كانت تُعَزُّ وتُكرم
تنادي إلى من لا يجيب نداءها ... وتشكو إلى من لا يرقُّ ويرحم
فيا حلبًا أنَّى ربوعك أقفرتْ ... وأعْيَتْ جوابًا فهي لا تتكلم
وأين شموس كنَّ بالأمس طلَّقًا ... فأين استقلوا بالركاب ويمموا
فها أنا ذو وجدٍ يُجَنُّ بأضلعي ... عليك وعَيشي في البلاد يذمَّم
أنوح على أهليك في كل منزل ... وأبكي الدجى شوقًا وأسأل عنهم
ولكنما لله في ذا مشيئةٌ ... فيفعل فينا ما يشاء ويحكم
وبعد، فليس من العجيب أن نرى أشعار كثير من أعلام تراثنا العربي لا تزال متناثرة في كتب الأقدمين، لا تجد إلى الآن من يتجرد لتسقطها وجمعها في دواوين مستقلة، فعسى أن تتواصل همم المحققين وعزائم الباحثين للقيام بهذا العمل الجليل، لا سيما وأن بعض هذه الأشعار، إذا أغفلنا الجانب الفني، يمكن أن تعد وثائق مفيدة في تعزيز الأخبار عن وقائع تاريخية مروية ودعمها بالشهادة الحية كما رأينا في قصيدة ابن العديم الأخيرة.
المصادر والمراجع: