فهرس الكتاب
أجل! لا يزال كذلك حتّى يصدح العصفور مُؤذِنًا بولادة صبحٍ جديد، وبنهاية ليلةٍ من ليالي العاشقين، وهنا ينفض الحبيبان برديهما من أثر العفاف العالِق بهما، وتمدّ الحبيبة بنانها المخضوب مودّعةً حبيبها العفيف، ولكن ليس قبل أن تقبّله قبلة الوداع المفعمة بالحلاوة، ومن ثمّ تعانقه عناق الوداع الذي يدعو إلى الريبة والشكّ في ظاهره، ولكنّه بعيدٌ كلّ البعد عن ذلك في باطنه.
والشريف يحنّ إلى تلك الليلة، ويرغب بتجدّدها ودوامها، لأنه مُتيَّمٌ بتلك المحبوبة وبقبُلاتها التي أطفأَت نيران حبّه المضطرمة، والتي هي دَينٌ على الحبيبة الوفاء به بعد أن بذلَ لها دمه دون جميع الخلق، وبعدها يؤكّد ما أصابه من فراق تلك المحبوبة التي لا يرضى بديلًا عنها وفاءً لعهده لها.
2-النصّ بين الخيال والواقع
وميميّة الشريف هذه جاءَت على شكل قصّةٍ شعريّةٍ حدّد فيها الشاعر المكان"سفح جبل عرفات"، كما حدَّدَ الزمان وهو ليلة عرفة، وسرد الأحداث التي بدأَت بتوقُّف بصره على تلك الظبية التي تمنّى وجودها"في فناء البيت"هذا التمنّي"لو أنّها بفناء البيت سانحةٌ"يدلّ على أنّ الشريف يتخيّل، لأنّ أداة الشرط"لو"يأتي بعدها فعلٌ مشكوك في حدوثه.
وفي لجوء الشريف إلى الاحتراس والتأدُّب في بداية النص دلالةٌ على التخيُّل لأنه ينفي نيله ممّن التقى بها في الواقع"لم أقضِ منكِ لباناتٍ ظفرتُ بها".
والذي يظهر تخيّله استخدامه لأسلوب"ربّ"في قوله"وظبيةٍ"، هذا الأسلوب يأتي للمصادفة أو التوقُّع، والذي يظهر التخيّل هو الثنائية الضديّة التي طغَت على النص، وجعلَت العفّة السمة المسيطرة على القصّة الشعريّة، فالهوى يمتزج بالتقى، والذي لفَّ الحبيبين هو الشوق بدلًا من الثوب دلالةً على التخيّل.
وفي مجيء الشاعر بصيغة الجمع"بتنا، تجاذَبنا، بنا"دليلٌ على العفّة الناتجة عن التعميم، والتي تنطلق من شخصيّة الشاعر الواقعيّة.