فهرس الكتاب

الصفحة 19216 من 23694

مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 89 - السنة الثالثة والعشرون - آذار"مارس"2003 - محرم 1424

فهرس العدد

ونصّه لم يخلُ من صناعةٍ، ولكنّها عنده عملٌ طبيعيٌّ ساذج يوافق الإطار العام للنص، ومن جميل صناعته الطباق بين"بارق الثغر، وداجي الليل"، وبين"رابت ظواهرنا، وفي بواطننا بعدٌ من التهم"؛ هذا الطباق من شأنه تحريك ذهن القارِئ وإعمال خياله لكي يحيا مع الشاعر انفعالاته.

وقد وفّق في تجسيمه وتشخيصه، فأحيا بهما الطبيعة الملمّة به وبمحبوبته، فإذا الريح كالغيرى تجاذبهما الشعر والثياب، وتشبيه الريح بالغيرى ناتج عن اتّفاقهما بالحركة الناتجة عن الانفعال الداخلي عند المرأة، والحركة الناتجة عن سرعة الريح.

وتأتي صورة وشاية الطيب لِتدلَّ على تطوُّر الصورة عند الشريف من خلال إكساب اللفظ معنى جديدًا غايته الإدهاش، فالمعتاد أن تكون الوشاية للعاذل على حين أنّ الشاعر جعلها للطيب، أمّا البرق فهو يجتاز على إضم فالشاعر يشخص البرق، ويكسبه فعلًا إنسانيًا هو فعل الاجتياز لإدهاش المتلقّي، وهكذا باتَت الطبيعة كلّها حيّةً ترقب المحبيّن وتشهد على أمرهما العجيب هذا التصوير الحركي يحرّك النفس، ويشدّ الانتباه لكي يتابع المتلقّي أحداث القصة الشعريّةِ بشغف.

ولعلّ الشريف قد أبدع في هاتين الصورتين"يلفّنا الشوق، يشي بنا الطيب"، فهما تُعبّران عن ذوقٍ حضاريٍّ رفيعٍ ينمّ عن شخصيّتهِ، وهو عندما يأتي بمفردة"الشوق"بدلًا من"الثوب"يدلّ على عفّته الناتجة عن الاحتراس والتأدبُّ على الرغم من حميميّة العلاقة بينهما لجأ الشاعر إلى استخدام المجرّد"الشوق"، وأبى استخدام الحسّي"الثوب"، ولو أنّ الشريف جاء بمفردة"الثوب"بدلًا من الشوق لبهتت الصورة، وهزلت، وأصبحت لا قيمة لها لأنّها تصبح كلامًا عاديًا لا إدهاش فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت