وفي وشاية الطيب بدلًا من وشاية العاذل تأكيدٌ على عفاف الشاعر وطهارة محبوبته، وفي مجيء الشاعر بصورة"ذق الهوى"دلالةٌ على أنّه يخاطب المجتمع بمفردات يتداولها أفراده لكي يؤثِّر فيهم بشكلٍ أكبر لأنه يدرك سياق حالهم الذي دفعه للمجيء بهذه الصورة.
7-قيمة المجازيّات ومكانتها:
تعتبر حجازيّات الشريف الرضي أرقّ شعره، وأكثر التصاقًا بالقلوب لِعذوبتها ففيها رنّة الأسى وعاطفةٌ وجدانية غائمة متشحةٌ بالحزن، وهذا الفن من أقرب فنونه إلى البساطة البدويّة التي تتجلّى في الشعر العذري، وعند عشّاق الأعراب، وهذا الشعر معرضٌ من معارض الجمال يتغنّى بالعفاف، وكثرة التأوُّه، ويمتاز بالوفاء للحبيبة، فلا يرضى القلب بديلًا عنها (1) .
والحجازيات تقدم درسًا أخلاقيًا محوره العفة، وما أحوج المتلقي العربي إليها في هذا الزمن الذي وجهت فيه الرسائل المرئية والمسموعة لتقضي على الجانب الروحي في الإنسان، وتجعله عبدًا لغرائزه وانفعالاته التي تلغي إنسانيته على حين أن هذه الأشعار تسمو بالروح، وتجعل المتلقي يحس بإنسانيته لأن العفة الملازمة لها تشده إلى الأصالة وتجعله يتمسك بشخصيته، ويحفظها من الذوبان في مستنقع الشهوات.
ولعل هذه الميزة التي تتمتّع بها الحجازيّات جعلتها تتمتّع بمكانةٍ هامةٍ لدّى بعض الشُعراء الذين حاكوها، والنقّاد الذين أطلقوا آراءهم فيها.
لقد أُعجِبَ النقّاد بحجازيّات الشريف ونسيبه وأشادوا برقّة شعره الغزلي، وجعلوا الحجازيّات من فرائد الشعر العربي فها هو ابن أبي الحديد يقول:"إن قصد الرقّة في النسيب أتى بالعجب العجاب" (2) ، وهذا القول ينطلق من انسيابيّة الحجازيّات وعذوبتها التي تحرّك العواطف، وتُثير لواعج النفس.