وأمّا قوله:"فاز بالقدح المعلّى من نصيبه"فهو يدلّ على أنّ الشريف يمتاز عن بقية الشعراء الذين تغزّلوا في الحجاز كالعبّاس بن الأحنف، وابن أبي ربيعة لأنّ الشريف عاش الحجاز شكلًا ومضمونًا على حين أنّهما بعيدان عنه لأنّ الشريف أمير الحج ويتمتّع بخبرةٍ ناتجةٍ عن تمثّله للجوانب الفقهيّة المتعلّقة بأركان الحج، والأماكن المقدّسة التي يمرّ بها الحاجّ أثناء تأديته لمناسك الحج، إضافةً لعدم تصريحه باسم محبوبته ولجوئه لاستخدام الرّمز، وتمثّله للعفاف والتقى ومحاورته للزمان والمكان بدلًا من حوار المحبوبة، كلّ ذلك يجعل الشريف يمتاز عمّن سبقه من الشعراء الذين تغزّلوا بالحجاز، وهذا التميُّز نابعٌ من التجربة الحياتيّة التي مرّ بها الشريف، والمخزون الثقافي الدالّ على إطلاعه على الشعر العربي القديم، وقد اتّضح هذا المخزون من خلال القراءة لميميّته، هذه القراءة إذا طبّقت على الحجازيّات يلحظ الباحث ذلك التأثُّر بالشعر العربي القديم، ولكنّ التأثُّر لا يعني ذوبان الشريف في المخزون الشعري السابق له بل إنَّ له نكهته الخاصة في الحجازيّات لِما فيها من تحليلٍ نفسيٍّ صادقٍ لِما يُحسّ به الشاعر.
ولعلَّ هذه النكهة الصادقة التي تتمتَّع بها الحجازيّات جعلتها تتردَّد في الأندلس، ويعجب بها الناس حيث عارضها الشعراء فخمّسوها. فها هو ابن خير يذهب إلى أنّ الفقيه إسحاق بن مزن الموردي نظم مخمّسةً خمّس فيها"يا ظبية البيان"ومخمّسةً خمّس فيها القصيدة الميميّة"ليلة السفح" (4) ، هذا النظم لِهاتين المخمّستين يدلّ على ذلك الأثر الذي تركته الحجازيّات في الأندلس، هذا الأثر دفع الموردي لتخميس هاتين القصيدتين.