وهذا البحث يتناول -بتفصيلٍ- سهل بن هارون مترسّلًا، من خلال تحديد موضوعات رسائله وأنواعها الأساسية، والحديث عن خصائصها الفكرية والتصويرية، وأسلوبه الفنيّ في الترسّل، وإماطة اللثام عن مكانته في الكتابة والترسّل وأثره في الأدب العربي، وذلك ابتغاء استكمال الصورة العامة للترسّل الفني في بداياته، ولاسيّما أنّ سهلًا يشكل حَلْقة وصلٍ بين ابن المقفّع والجاحظ، الذي تأثّر بأسلوبه إلى مدى غير يسير، وكان"يفضّله ويصف براعته وفصاحته ويحكي عنه في كتبه"كما يقول ابن النديم.
مِهاد:
في البَدْء أورد ما قاله ابنُ وهب (المتوفى في القرن الرابع الهجري) في محاولةٍ تأصيلية لمصطلح الترسّل، يقول:"الترسّلُ من تَرَسَّلْتُ- أترسّلُ- تَرَسُّلًا، وأنا مُتَرسِّلٌ، كما يُقال توقّفْتُ بهم -أتوقّف- توقّفًا، وأنا متوقّفٌ. ولا يُقال ذلك إلاّ فيمن تكرّر فعلُه في الرسائل، كما لا يُقال: تكسَّر، إلاَّ فيما تردّد عليه اسمُ الفعل في الكسر. ويُقال لمن فعل ذلك مرّة واحدة: أرسَلَ -يُرْسِلُ- إرسالًا، وهو مُرْسِلٌ، والاسم: الرسالة، أو راسل-يُرَاسِلُ- مُراسَلَةً وهو مُراسِلٌ، وذلك إذا كان هو ومن يُراسِلُه قد اشتركا في المراسلة. وأصلُ الاشتقاق من ذلك أنّه كلامٌ يُرَاسَلُ به من بعيد، فاشتق له اسمُ الترسّل، والرسالة من ذلك" (5) .
وقد كان سهل بن هارون من أكبر كُتّاب الترسّل في عصره، كتب"الرسائل الطِّوال والقِصار"، وخلّف ديوان رسائل كما ذكر ابن النديم، وذكر التوحيدي أنَّ له رسالةً في مثالب الحرّاني (6) ، وممّا يؤسف له أن جُلَّ رسائله سقطت من يد الزمن، ولم يصل إلينا منها إلاّ النزر اليسير، وأهمها رسالته في البخل -كما اصطلح على تسميتها- وبضع رسائل ضمّها كتابه"النمر والثعلب" (7) ، الذي سَلِمَ من الحَدَثَان، وهو من نوع الرسائل الديوانية.
أوّلًا: أنواع رسائله وموضوعاتها الأساسية:
1-الرسائل الأدبية: