فهرس الكتاب

الصفحة 19249 من 23694

أمّا أشعار العرب، فقد تمثل بها سهلٌ غير ما مرّة في رسائله، فضلًا عن استلهامه معانيها، واقتباسه من أفكارها؛ لأنّ الكاتب إذا أكثر"من الأشعار وتدبّر معانيها، ساقه الكلامُ إلى إبراز ذخيرة ما في حفظه منها، فاستعملها في محلِّها، ووضعها في أماكنها، على حسب ما يقتضيه الحال في إيرادها، واقتباس معانيها" (79) . وقد وشّح سهلٌ بعض رسائله بأشعار العرب، فأضفى على أسلوبه رونقًا وبهاء، ومن الأمثلة على ذلك ما كتبه سهلٌ في أسفل رسالته الإخوانية إلى محمد بن زياد، فقد أورد بيتين من الشعر من نظمه، أكّد فيهما معنى الرسالة، ومنحه بُعدًا إيحائيًا وفنيًّا.

وفي رسالة أخرى تمثّل سهلٌ ببيتين من الشعر الجاهلي على لسان إحدى شخصيات قصّته، فقال:" فإنّ الأيامَ بحمدِ الله ومَنِّه -لم تكشف منّي هيّابًا وَرِعًا، ولا هَلِعًا ضَرِعًا، وإنّي لكما قال الشاعر:"

أخو خَمْسِيْنَ مُجْتَمِعٌ أَشُدِّي ونَجَّذَني مُداورةُ الشؤونِ (80)

.وها أنذا بين يدي الملك؛ صريع سطوتِه، وعتيق عفوه؛ إذ هو كما قال الشاعر:

إنْ يُعَاقِب يكن غَرامًا، وإن يُعْـ سطِ جزيلًا، فإنّه لا يُبالي (81)

والسّلام" (82) . وبيّنٌ أن البيت الأول أعان سهلًا على تأدية المعنى الذي ابتغاه، والتلميح بقوة المرسِل، وشدّة بأسه ليفُتَّ في عَضُدِ خصمه. أما البيت الثاني فيستميل به العاطفة ويحرّك المشاعر، ويثير الوجدان. وفي رسالة أخرى صوّر سهلٌ هولَ المعركة، وفداحة الهزيمة، التي ستحلّ بالخصم لا محالة، مستعينًا ببيتٍ من الشعر الجاهلي، يمنح الصورة جمالية في المعنى والأداء، وترتجف لها المفاصل من الرَّهب، يقول:"فأيقن أيّها المغرور، السّادرُ (83) في غيِّه، بيومٍ قد أظلّك، تبدو كواكبه، وتحُفُّ بك مواكبُه، كما قال فيه الشاعر: (84) :

تبدو كواكبُه، والشمس طالعةٌ لا النورُ نورٌ ولا الإظلامُ إظلامُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت