فهرس الكتاب

الصفحة 19248 من 23694

وخطبُ العرب"من آكد ما يحتاج إليه الكاتب، وذلك أن الخطب من مستودعات سرّ البلاغة ومجامع الحِكَم" (74) ،"فإذا أكثر صاحب هذه الصناعة من حفظ الخطب البليغة، وعَلِمَ مقاصد الخطابة، وموارد الفصاحة، ومواقع البلاغة، وعرف مصاقِع الخطباء ومشاهيرهم، اتّسع له المجالُ في الكلام، وسَهُلَتْ عليه مستوعرات النثر، وذُلّلت له صِعابُ المعاني، وفاض على لسانه في وقت الحاجة ما كَمَنَ في ذلك بين ضلوعه، فأودعه نثره، وضَمَّنه في رسائله" (75) . وحقًّا، فاض على لسان سهلٍ ما ثَقِفَهُ من خطب العرب ومعانيهم وعباراتهم وأساليبهم، ويبدو شديد الإعجاب ببلاغة الحجاج بن يوسف الثقفي، ولوعًا بخطبه، إذ نجد أكثر من عبارة يستلهمها منه، كقوله:".... فنكث كِنانته ليسبرها فَعَجَمَ سهامها عودًا عودًا، فنزع بِقدْحٍ منها..". وهنا يستمدّ قول الحجّاج في خطبته المعروفة بالكوفة، حين قال:" وإنّ أميرَ المؤمنين نَثَرَ كِنانته بين يديه، فَعَجَمَ عِيدانها فوجدني أمرَّها عُودًا، وأصلبَها مَكْسِرًا، فرماكم بي" (76) .

ويلحظ المرء تأثّر سهل في أدبه عامّة ورسائله خاصّة بالخطابة العربية أيَّما تأثّر؛ من خلال أسلوب تركيب بعض الجمل، وإيراد مفردات يوشيّ بها أسلوبه، نطق بها الخطباء الأُول. وهو أقرب ما يكون في رسائله الديوانية إلى خطب الحجّاج، ونبرته الحادّة، واستخدامه أمثال العرب في التقريع والتوبيخ والتهديد، أو التلميح والإشارة. وفي رسائله غيرُ مَثَلٍ استخدمه الحجّاج في خُطَبِه (77) ، ولا غرو في ذلك، فالخطابة"بها تفاخرت العرب في مشاهدهم، وبها نطقت الخُلفاء والأمراء على منابرهم، بها يتميّز الكلام، وبها يُخاطَب الخاصّ والعام، وعلى مِنوالِ الخطابة نُسِجَتِ الكتابة، وعلى طريق الخطباء مشتِ الكُتّاب" (78) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت