فهرس الكتاب

الصفحة 19251 من 23694

وقد ضمّن سهلٌ رسائله طائفة من الأمثال العربية، ممّا يدلّ على شغفه بها، وإعجابه بطريقة صياغتها، والمعاني التي احتوتها؛ إذ إنّها"كلمات مختصرة تُورد للدلالة على أمورٍ كليّة مبسوطة" (87) . والغاية من تضمين المثل تكمن في أمرين؛ أوّلهما غزارة المعاني وكثافتها، بحيث يُغني المثل عن كثيرٍ من المعاني التي يمكن أن يُعَبّر عنها بالكتابة، وثانيهما لتزيين الكلام وزخرفته، فـ"الأمثال هي وشي الكلام، وجوهر اللفظ، وحَلْيُ المعاني، والتي تخيّرتها العرب، وقدّمتها العجم، ونُطِقَ بها في كلِّ زمان على كلِّ لسان؛ فهي أبقى من الشعر، وأشرفُ من الخطابة، لم يَسِرْ شيءٌ كسَيْرِها، ولا عمّ عمومَها، حتى قالوا: أَسْيَرُ من مَثَل" (88) . ومن الأمثلة على تضمين الأمثال في رسائل سهل، قوله في رسالةٍ ديوانية:" فعاد ما عملتُه هباءً، ولم أجدْ شيئًا مشكورًا، وما يُقَعْقَعُ لمثلي بالشِّنَان (89) . وإنّي لألوى بعيد المُسْتَمَرِّ (90) ، فإنْ يستتمَّ الملك صنيعه، ويَرُبَّ (91) نعمته، فأنا بين العصا ولِحَائها (92) ، وإلاّ فسيجدني جِذْلَ حُكَاك (93) ، إذا نكأتُ مَّرْحةً أدميتُها (94) ، أحمر (95) ، ضرّابًا بالسّيف، والسّلام" (96) . ففي هذه السطور ضمّن سهلٌ بضعة أمثال، تحملُ في طيّاتها الكثير من المعاني، المُعبّر عنها في ثوبٍ من المجاز والخيال، فتضفي على الأسلوب قيمة فنيّة عالية، فتَهَشُّ له الأسماع، وتَّلَذّ له العقول والقلوب معًا، ألم يقلْ إبراهيم النّظّام (ت 231ه‍) :"يجتمع في المَثَلِ أربعة، لا تجتمع في غيره من الكلام؛ إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجوْدة الكناية، فهو نهاية البلاغة" (97) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت