فهرس الكتاب

الصفحة 19252 من 23694

ويغدو واضحًا -من خلال ما سبق -شدّة تأنّق سهل في اختيار ألفاظه، وحِذْقه تجويدَ الرسائل وتنميقها، واختياره اللفظ الموحي المنزّه عن الضعف والركاكة، البعيد عن التعقيد والغموض، الخالي من الحشو والابتذال، بل المعبّر تمام التعبير عن المعنى.

وإذا كان تأثيرُ المنطق في دقّة تفكيره، وعمق معانيه وطريقة عرضها، والتدليل عليها واضحًا بيّنًا، فإنّ تأثيره من الناحية اللفظية واضحٌ أيضًا، فـ"أثر المنطق في البلاغة من الناحية اللفظية، يتجلّى في العناية الشديدة بالألفاظ، ودقّة اختيارها، وصنعة تنسقيها، بحيث تدلّ دلالة تامّة على المعنى، وتطابقه مطابقة كاملة، ولذلك أدخل المناطقة في منطقهم مباحث في التصوّرات والتعريفات؛ لأنّ المنطق لا يتطلّب الدقة والوضوح في التفكير فحسب، بل يتطلّب الدّقة في استعمال الألفاظ والتراكيب اللغوية أيضًا" (98) .

وقد بان لنا ذلك واضحًا في أسلوبه؛ فامتاز بدقّة اختياره لألفاظه، والتجويد فيها، فلم يستخدم الحُوشي الغريب، أو الصعب الجموح، أو السّاقط السّوقي، بل اللفظ العذب، اللّين السّهل، السائغ السَّلس حينًا، والجزل القويّ حينًا آخر.

وقد أشار الجاحظ إلى دقّة الكتّاب في اختيار ألفاظهم، فقال"أمّا أنا فلم أرَ قطُّ أَمْثَلَ طريقةً في البلاغة من الكُتّاب، فإنّهم قد التمسوا من الألفاظ، ما لم يكن متوعّرًا وحْشِيًّا، ولا ساقطًا سُوقيًّا" (99) .

وعلى أية حال، فرسائل سهل تُعَدُّ من لآلئ النثر العربي، امتازت برصانة التعبير، وجمال الأداء، ومتانة السّبك، وسموِّ الأفكار وجمال الصورة، والاسترسال في تفريغ المعاني، حِفاظًا على جَرْسِ الألفاظ، وإيقاعها الموسيقي، ولتقريرها في الأذهان، لذا تلوّن أسلوبه في أداء التراكيب بين الطول والقصر والإيجاز، حسب ما يقتضيه معيار أداء المعاني وعرض الأفكار.

رابعًا -منزلته في الكتابة والترسّل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت