فهرس الكتاب

الصفحة 19253 من 23694

سلفتِ الإشارة إلى أن سهلًا كان كاتبًا بين يدي يحيى البرمكي، ومن بعده الرشيد، الذي أبقى على حياته بعد نكبة البرامكة ولم يفتك به؛ لأن الحاجة إليه قرَّبت منه وأبقت عليه -على حدِّ تعبير الرشيد نفسه (100) -ثم عمل سهل في دواوين المأمون، وصار قيّمًا وخازنًا على دار الحكمة أيضًا. ولعلّ في عمله هذا ما يدلّ دلالة بالغة على بُعْدِ صيته وعلوّ كعبه في الترسّل والكتابة، ولا سيمّا أن من ذكرتُ كانوا من جهابذة البلاغة فاختيارهم له كان دليل مكانته في نفوسهم، وكثيرًا ما أشاد ببلاغتهم القدماء، ومنهم سهلٌ نفسه (101) .

وقد أجمعت المصادر على أنّه كان حكيمًا حليمًا وشاعرًا أديبًا، لقب بـ (بزر جمهر الإسلام) ، وعدّه ابن النديم من البلغاء (102) . وتجدر الإشارة إلى أنّ الكتابة في الدواوين غاية عزيزة المنال -كما قلنا -والكاتب لا يرتقي سُدَّة الكتابة إلاّ إذا كان واسع الإطلاع، جمّ المعرفة، موسوعي الثقافة. وقد أطال العلماء في عرض الأمور التي يتوجّب على الكاتب معرفتها والإحاطة بها، أو ما يُعرف بآلات البيان وأدوات الكتابة، وأُلّفت في ذلك كتب ورسائل (103) . وما من ريبٍ في أن سهلًا كان يمتلك أدوات الكتابة كلّها، ومن ثَمَّ انفرد في زمانه بالبلاغة والحكمة، كما يقول ابن نباتة (104) ؛ وممّا يؤكّد ذلك أنّ الجاحظ في بداية حياته العلمية"كان يؤلّف الكتابَ الكثير المعاني الحسنَ النظم، فينسبه إلى نفسه؛ فلا يرى الأسماع تصغي إليه، ولا الإدارات تَيَمَّمُ نحوه، ثم يؤلّف ما هو أنقص منه مرتبة وأقلّ فائدة، ثم ينحله عبد الله بن المقفّع أو سهل بن هارون أو غيرهما من المتقدّمين ممّن طارت أسماؤهم في المصنّفين، فيقبلون على كَتْبها، ويسارعون إلى نسخها". (105) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت