فهرس الكتاب

الصفحة 19254 من 23694

ومن يسمع مقالة الجاحظ فيه، يتبين مدى تأثّره به وإعجابه ببلاغته وحكمته وأسلوبه. يقول شوقي ضيف عن سهل:"وفي لهجة لسانه وأسلوب منطقه ما يجعلنا نُحِسّ الصلة الشديدة بينه وبين الجاحظ، إذ يُعَدُّ امتدادًا -من بعض الوجوه -لهذا اللسان ونموًَّا لهذا العقل، وما طُوي فيه من حِجاجٍ وجدل" (106) .

ونمضي في العصر العباسي لنرى التوحيدي (فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة) ينوّه في كتابه (الإمتاع والمؤانسة) بسموّ منزلة سهل في البلاغة والفِقَر؛ حين يسخر من الصاحب بن عبّاد (ت نحو 385ه‍) وتملّق الناس له، فلا يُقال له:"أخطأت أو قصّرت أو لَحَنْتَ أو غَلِطت أو أخللت؛ لأنّه نشأ على أن يُقال له: أصاب سيّدنا، وصدق مولانا، ولله دَرُّه، ولله بلاؤه، ما رأينا مِثْلَه، ولا سمعنا من يُقاربه... قد استدرك مولانا على الخليل في العَروض، وعلى أبي عمرو بن العلاء في اللغة... وعلى الجاحظ في الحيوان، وعلى سهل بن هارون في الفِقَر، وعلى يوحنّا في الطّبِّ...." (107) . وفي هذا الكلام دلالة بيّنة على أن سهلًا كان نسيجَ وَحْدِه في الفِقر، وأنّ الناس يعرفون له حقّه فيها، وأنّه بذّ شأو أقرانه فيها، ولذا فهو -بالنسبة إليهم -مِثَالٌ يُقاس عليه، كالخليل في العروض، وأبي عمرو بن العلاء في اللغة.... ولإكبار التوحيدي له، ولمعرفته بجلال قدره؛ فقد أورد كثيرًا من فِقَرِه وأخباره وحِكَمِه في كتبه، وخاصةً في (البصائر والذخائر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت