فهرس الكتاب

الصفحة 19255 من 23694

وكانت منزلة سهل في المغرب العربي لا تقلّ عنها في مشرقه، من الأوج والرفعة، فقد تأثّر به بلغاؤهم وأدباؤهم، ونقلوا عنه، وحاكوه في كثيرٍ من تآليفه، يقول ابن شرف القيرواني (ت 460ه‍) :"واحتذيت فيما ذهبت إليه، ووقع تعريضي عليه؛ من بثِّ هذه الأحاديث ما رأيتُ الأوائل قد وضعتْه في كتاب (كليلة ودمنة) ، فأضافوا حِكَمَه إلى الطير الحوائم، ونطقوا به على ألسنة الوحش والبهائم؛ لتتعلق به شهوات الأحداث، وتُسْتَعذَب بِسَمَرِه ألفاظ الحُدَّاث. وقد نحا بذا النحو سهل بن هارون الكاتب في تأليفه كتاب (النمر والثعلب) وهو مشهور الحكايات، بديعُ المراسلات، مليحُ المكاتبات" (108) .

وفي هذا الكلام دلالة واضحة على شهرة حكايات سهل، وبديع مراسلاته، وذيوع صيته عندهم. ويقول ابن زيدون (ت 463ه‍) في رسالته الهزلية، التي يسخر فيها من ابن عَبْدوس على لسان ولاّدة:".... وأنّ عبد الحميد بن يحيى باري أقلامِك، وسهلَ بن هارون مدّون كلامِك، وعمرو بن بحرٍ مستمليك" (109) . ولا أدلّ من هذا الكلام على حضور هؤلاء في نفس ابن زيدون وعقله. واستدعاؤهم في رسالته -وعلى هذا النحو دون غيرهم من أرباب البيان -يشي بمكانتهم في النثر العربي عمومًا، ولدى ابن زيدون خصوصًا. وحقًّا، فإنّ هؤلاء أقطاب الترسّل الفني في الأدب العربي، ولا مِرْية في ذلك، فإنْ تكنِ الكتابة الفنية بدأت بعبد الحميد (ت 132ه‍) ، وخُتِمَتْ بابن العميد (ت 360ه‍) -كما يُقال -فإنّها اهتزّت وَرَبتْ بين يدي سهل بن هارون والجاحظ، ولم تصل في عصرٍ من عصورها إلى ما وصلت إليه في عصرهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت