فهرس الكتاب
إذن، نحن أمام نوعين من الغرائز، نوع يعود إلى طبيعة الإنسان الحيوانية الغريزية وما يظهر منها في شكل قوى نفسية"قوية جامحة، غير خاضعة في التعبير عن كنهها لمنطق أو اتزان" (7) .
أما النوع الثاني فيتمثل في غريزة العقل التي خولت لها مهمة تعديل هذه القوى النفسية وتحريرها، بما يرقى بها نحو السلوك الإنساني،"ولن تفي قوة غريزة العقل بجمع قوى طبائعه (أي الإنسان) وشهواته، حتى يقيم ما اعوج منها ويسكن ما تحرك، دون النظر الطويل الذي يشدها والبحث الشديد الذي يشحذها والتجارب التي تحنكها، والفوائد التي تزيد فيها" (8) .
غير أن هذا العقل المكتسب، لا يكفي وحده في التحصيل المعرفي الذي يرقى بسلوك الإنسان نحو إنسانيته، يعيش العاجلة، ويتهيأ للآجلة، ذلك أمر يضيق به العقل، ولا يفلح فيه إلا قليلًا. لذلك يقول الجاحظ:"ولو أن الناس تركوا وقدر قوى غرائزهم، ولم يهاجوا بالحاجة على طلب مصلحتهم والتفكير في معاشهم وعواقب أمورهم، وألجئوا إلى قدر خواطرهم التي تولدها مباشرة حواسهم دون أن يسمعهم الله خواطر الأولين، وأدب السلف المتقدمين وكتب رب العالمين، لما أدركوا من العلم إلا اليسير، ولما ميزوا من الأمور إلا القليل" (9) .
فالعقل والحال هذه هو الذي يعول عليه في تعديل السلوك وتحويره والارتقاء به نحو إنسانيته، كما ورد قبل حين. وهذا الدور المنوط بالعقل لا يتأتى له إلا بالاتكاء على مرجعية معرفية، قوامها معرفة موحى بها وأخرى يتوصل إليها بالدربة و المران والتثقيف.
والعلاقة بين نوعي الغريزة علاقة صراع، ومادة العلاقة هي النفس الواقعة بين طرفين، يعمل كل واحد منهما على جذبها إليه. ومن ثم تنشأ ثلاث وضعيات لهذا الصراع: