فهرس الكتاب

الصفحة 19270 من 23694

الوضعية الأولى، ينتصر فيها البعد الشهواني في الإنسان على عقله حينئذ يستسلم الإنسان العاقل غير المستطيع إلى حيوانيته استسلام إنسان لا حيوان، ولو استسلم استسلام حيوان لكان الأمر هينًا. إذ أن القيم الفطرية المودعة في الحيوان منظمة تنظيمًا محكمًا وإنما الإساءة تكون بتوظيف العقل في تشويهها، حين انهزامه إذ"متى قويت الطبيعة على العقل أوهنته وغيرته ومتى توهن وتغير تغيرت المعاني في وهمه وتمثلت له على غير حقيقتها، ومتى كان كذلك كان عن إدراك ما عليه في العاقبة أبعد وزينت له الشهوات ركوب مافي العاجلة" (10) .

وأما الوضعية الثانية، فهي حينما ينتصر العقل على الجانب الشهواني في الإنسان المستطيع إذ"متى أيضًا فضلت قوى عقله على قوى طبائعه، أوهنت طبائعه، ومتى كان كذلك، آثر الحزم والآجلة على اللذة العاجلة، طبعًا لا يمتنع منه وواجبًا لا يستطيع غيره" (11) ، فيرتقي الإنسان نحو إنسانيته لا ليعلو عن الحيوانية فحسب بل ليكون أرقى من الملائكة أنفسهم حسب رأي الإمام علي كرم الله وجهه.

الوضعية الثالثة: تتكافأ فيها قوتا الحيوانية والعقل في الإنسان وعندئذٍ تكون النفس مختارة في ميلها إلى أحد الطرفين، يقول الجاحظ:"فالعقل حارس، والطباع محروسة، والنفس عليهما موقفة، فإن كان الحارس أقوى من طباعها، كان ميل النفس معه طبعًا، لأن شأن النفس الميل إلى أقوى الحارسين وأمتن السببين، ومتى كانت القوتان متكافئتين كان الفعل اختيارًا ومن حد الغلبة خارجًا" (12) .

معنى ذلك أن أفعال الإنسان عند الجاحظ تنقسم إلى نوعين: أفعال اضطرارية، وأفعال اختيارية. وما يهمنا من النوعين، النوع الثاني المتعلق بالأفعال الاختيارية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت