فهرس الكتاب
يقول الجاحظ:"وإنما تكون النفس مختارة في الحقيقة ومجانبة لفعل الطبيعة، إذا كانت أخلاطها معتدلة وأسبابها متساوية، وعللها متكافئة فإذا عدل الله تركيبه سوى أسبابه، وعرفه ما عليه وله، كان الإنسان للفعل مستطيعًا في الحقيقة، وكان التكليف لازمًا بالحجة (13) ."
معنى ذلك أن الاستطاعة نوع من الحرية في فعل الشيء أو تركه وحينئذٍ فقط يكون الإنسان مستطيعًا مسؤولًا عن أفعاله وحينئذٍ فقد يجب عليه التكليف.
وإذن، متى يجب التكليف؟ عندما يكون الإنسان مستطيعًا ومتى يكون مستطيعًا؟ عندما يكون مقطوع العذر زائل الحجة. ولا يكون كذلك، إلا وهو"صحيح البنية، معتدل المزاج، وافر الأسباب، مخلى السرب، عالم بكيفية الفعل حاضر النوازع ومعدل الخواطر عارف بما عليه وله" (14) .
ومسألة الاستطاعة متعلقة أساسًا بصحة جسمية، واتزان نفسي ومعرفة إدراكية، تجعل الإنسان المأمور المنهي على بينة من أمره، ليكون التكليف مؤسسًا، ومقترنًا بالجزاء ثوابًا أو عقابًا وحجة الجاحظ في ذلك قول الله عز وجل: (والأرض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها(.(15) ، إذ يقرن الجاحظ بين التسوية والتعديل من جهة وبين موضع الغي والرشد من جهة ثانية، في النفس البشرية إذ التسوية والتعديل شرط للغي والرشد، والغي والرشد وقف على التسوية والتعديل.
وهو ما يفهم من قول الجاحظ:"ولو جاز أن يعلم موضع غيها (أي النفس) ورشدها من غير أن يسويها ويهّيئها لكان ذكر التسوية فضلًا من القول، والله يتعالى عن هذا وشبيهه علوًا كبيرا" (16) .
والإنسان عند الجاحظ فضلًا عن كونه مزودًا بالفطرة الطبيعية والطبع فهو ابن بيئته التي تبقى ذات تأثير واضح في"تطبيع وتنشئة الإنسان، وهذه إحدى جوانب تأثير البيئة العربية في خلق الإنسان" (17) .