فهرس الكتاب

الصفحة 19272 من 23694

ويتغلغل الجاحظ في تحليل المجتمع العربي حين يبرز ذلك التفاعل القوي بين الإنسان وبيئته التي لا تؤثر فيه تطبعًا عامًا فحسب، بل انتقل ذلك التأثير إلى جميع مناحي الإنسان، بما في ذلك اللغة التي تعد وسيلة بيانية، يعبر بها الإنسان عن حاجته الوجدانية، والاجتماعية على السواء، يقول الجاحظ:

"والعرب إنما كانت تسمى بكلب وحمار وحجر وجعل وحنظلة، وقرد على التفاؤل بذلك، وكان الرجل إذا ولد له ذكر خرج يتعرض لزجر الطير والفأل، فإن سمع إنسانًا يقول حجرًا، أو رأى حجرًا سمى ابنه به، وتفاءل فيه الشدة والصلابة والبقاء والصبر، وأنه يحطِّم ما لقي، وكذلك إن سمع إنسانًا يقول ذئبًا أو رأى ذئبًا، تأول فيه الفطنة والخبث والمكر والكسب، وإن كان حمارًا تأول فيه طول العمر والوقاحة والقوة والجلد، وإن كان كلبًا تأول فيه الحراسة و اليقظة وبعد الصوت والكسب وغير ذلك" (18)

وإذا كانت رؤية الجاحظ البيانية مصدرها الإنسان بوصفه أرقى الكائنات فإن هذا الإنسان يحمل في تكوينه الطبيعي ومحيطه الاجتماعي، اكتسابًا طبيعيًا وتفاعلًا اجتماعيًا ـ تكوينًا بيولوجيًا وروحًا اجتماعية من وحي الطبيعة نفسها، وما تحويه من قيم متنوعة. والطبيعة الإنسانية بشقيها البيولوجي والاجتماعي رشحت الإنسان إلى أن يسمى العالم الصغير سليل العالم الكبير، كما وجدوا فيه من جمع أشكال مافي العالم الكبير" (19) "

ومن ثم يكون للإنسان مظهران من الوجود، وجود بيولوجي شاركه فيه الحيوان، ووجود ثقافي يتميز به من غيره.

يهدف الوجود الثقافي فيما يهدف إلى ترقية السلوك الحيواني في الإنسان من جهة، وإلى بعث سلوك فكري، ينسجم مع محيط الفرد ثقافيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.

والسلوك الثقافي ميزة جُبل عليها الإنسان منذ خلقه، إذ الخلق مقترن بهذا السلوك الثقافي، الذي افتقدته الملائكة نفسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت