فهرس الكتاب
إذن منطلق المشروع الثقافي الإنساني ديني في أسه أكدته جميع الشرائع السماوية، ووسعه القرآن الكريم حينما حمل لواءه بكل أمانة.
والقرآن الذي خاطب العقول، يدعو إلى نوعين أساسيين من المعرفة، معرفة نقلية، ومعرفة عقلية.
وكلتا المعرفتين منسجمتان تكمل إحداهما الأخرى، ولكن كانت واحدة سابقة وأخرى لاحقة، فالسابقة هي المعرفة القائمة على الوحي، وفيها توجيه للمعرفة العقلية نفسها، وتوضيح معالم طريقها، بما يكفل لها المنفعة والنجاعة في الدنيا ويجعلها منسجمة مع روح الإسلام.
وتوجيه المعرفة العقلية وتحديد مجالها، سببه أن العقل المدرك قد يعجز عن استيعاب المعرفة الغيبية، فضلًا عن استيعابه الكامل للمعرفة العقلية، على الرغم من أن العقل يحظى بمكانة مرموقة بين الملكات التي أودعها الله في عباده.
ولذلك كان مجال المعرفة العقلية يكاد ينحصر في الميدان العلمي في هذا الكون الذي يحمل سننًا لا يحيد عنها، هي من خلق الله عز وجل ومعرفة هذه السنن المودعة في الكون بقدر ما تعزز موقع الإنسان في محيطه وتدعم مكانته الريادية ـ بوصفه خليفة الله في أرضه ـ تفسح المجال واسعًا لتلقي مجالي المعرفة الموحى بها والمستدركة بالعقل تعميقًا بروح الثقافة الموحى بها، وتأسيسًا لثقافة عقلية، تعمل على ترقية محيط الإنسان نحو هذه الخلافة التي كلف بها.
لذلك جاء في القرآن الكريم: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء و الأرض لآيات لقوم يعقلون(.(20)
وانظر كيف كان خلق آدم مقترنًا بالعلم والمعرفة: