فهرس الكتاب
واللافت للانتباه من خلال صياغة الجاحظ لرسالته"مفاخرة الجواري والغلمان"أنه يدعو إلى الوقاية من رذيلة اللواط، من خلال انتصاره لصاحب الجواري، وذكره للأحاديث التي تحث على الزواج.
لقد عقد موازنة مسهبة بين الجواري والغلمان وظف فيها الدين والعقل، بما يبرز وضوح تفضيل الجواري على الغلمان، والمرء بعقله يمكن أن يهتدي إلى هذه النتيجة، ولو لم يكن هناك حلال وحرام، وثواب وعقاب في هذه المسألة (30) .
كما أن موضوع الخصاء الذي يفقد المرء قيمته الطبيعية كان قد نال من هذه الرسالة حظًا وافرًا، فالذكر متى تم خصيه فقد جنسه"، فالخصي ليس برجل أو امرأة وأخلاقه مقسمة بين أخلاق الرجال وأخلاق الصبيان" (31) .
وإذا كان الجاحظ أورد حديثًا مسهبًا، وازن فيه بين الجواري والغلمان، وما يعتري الإنسان بعد خصيه، فإن القيمة في بعدها الطبيعي ماثلة في ذهنه، وهي في الوقت نفسه، معيار للسلوك الخلقي المتعلق بظاهرة اللواط، الناجمة عن تفضيل الغلمان على الجواري، أو بتفضيل الزنى الناجم عن تفضيل الجواري على الغلمان بما لا يتلاءم مع الأخلاق والدين.
وكعادة الجاحظ قد رصد السلوك السوي وغير السوي، جامعًا في ذلك الشيء ونقيضه، خدمة للفكر المعتزلي وارتقاء بالموضوع المطروق، حتى إن القارئ ليحس بأن المغريات التي تجذب صاحبها نحو هذا السلوك المنحرف قد رصدت بكل براعة بل بما يكفل لها أن تمثل إحدى كفتي الميزان الذي يرجح في الأخير لصالح القوى الطبيعية المشروعة المتمثلة في تفضيل الجواري على الغلمان.
ومهما تعددت الأسباب التي أسهمت في بروز اللواط وانتشاره بسرعة مذهلة، فإن السبب الرئيس يكمن ـ كما نرى ـ في ظهور بعض الفئات المتزندقة الماجنة اللاهية العابثة التي كان أكثرها يصب في مجرى تيار الشعوبية.