فهرس الكتاب

الصفحة 19278 من 23694

لذلك لا تحمل نوادر الرجل مواقف ينتهي إليها، وإنما تنتهي بخاتمات توحي بموقف الرجل لأنه عنصر المعرفة الذي لا يمكن أن يرد إلى الرجل، إلا بصفته معتزليًا انفرد به ضمن ظاهرة فنية في أدبه.

ولما كانت القيم التي نادى بها ووسعت كتبه ورسائله مستوحاة من الدين الذي يكتسب اكتسابًا، وكأن الله عز وجل قد أقر أن لا إكراه في الدين، فقد كان الجاحظ لا يعبأ ببخلائه في ظروفهم الطبيعية، حينما يجسدون بخلًا ينسجم مع طبعهم بل كان يدرسهم حين يسلكون سلوكًا ادعائيًا، يكون مصدر عجب كادعائهم الكرم وهم بخلاء.

وقد نفر أبو عثمان من ظاهرة أخرى كانت غير طبيعية تفشت في عهده، نقصد بذلك اللواط، الذي كان شائعًا متداولًا في حديث الناس وشعر الشعراء، فقد اشمأز من هذه الظاهرة التي رآها غير طبيعية، فضلًا عن أنه نفر منها خلقيًا وعدها أمرًا فاسدًا اجتماعيًا ومصدر آثار سلبية نفسيًا.

فكيف يقوى أن يكون مصدر جمال حسي أو قولي؟ ومن ثم عقد العزم على أن يحارب هذه الظاهرة دون هوادة، وأن يوظف كل ما امتلكه من مرجعيات ثقافية ودينية ، وخاصة أن شعراء كثيرين عاصروا الجاحظ وكانت لهم صحف سوداء في هذا الموضوع.

ومثلما ينفر الجاحظ من التنبل والتكبر والتزمت والبخل والجهل، جعل بعض من يحجم عن ذكر المصطلحات الجنسية مدعيًا للتقشف والنسك.

وإذا كان في رأي الرجل أن اللواط غير مقبول طبيعيًا وهو محرم شرعًا، فإن الارتقاء بالقيمة الخلقية فوق القيمة في بعدها الطبيعي المنحرف طبيعيًا هدف منشود في فكر الرجل، لقد وازن بين الزنى واللواط، وذكر حد الزاني (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة (( 27) وذكر حد اللواط الذي كان أقسى وأشد، ذلك:"أن الذي يعمل عمل قوم لوط لو اغتسل بكل قطرة من السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسا" (28) . وحده أن يحرق ويقتل. (29)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت