فهرس الكتاب

الصفحة 19277 من 23694

يقول الجاحظ:"والعادة القائمة، والنسق الذي لا يتخطى ولا يغادر والنظام الذي لا ينقطع ولا يختلط في ذوي التمكين والاستطاعة وفي ذوي العقول والمعرفة أن أبدانهم متى أحست بأصناف المكروه والمحبوب، وازنوا وقابلوا، وعايروا بين أتم الخيرين وأنقص الشرين، ووصلوا كل مضرة ومنفعة في العاجل بكل مضرة ومنفعة في الآجل وتتبعوا مواقعها، وتدبروا مساقطها، كما يتعرفون مقاديرها وأوزانها، واختاروا بعد ذلك أتم الخيرين، وأنقص الشرين (26) ."

ويبدو أن مسألة اختيار الأشياء بعد الموازنة بينها عند العارفين العاقلين تعود في أساسها إلى طبيعة المعرفة العقلية التي يحتاج إليها في مواضع دون مواضع أخرى كما هو الشأن فيما وصفه الجاحظ بالممزوج من الشر والخير الذي يحتاج إلى معرفة عقلية قائمة على النظر والتفكير والبحث والتصفح، ولن ينظر ناظر ولا يفكر مفكر دون الحاجة التي تبعث على الفكرة وعلى طلب الحيلة.

بينما تحصل المعرفة الحسية مباشرة دون هذه الخصائص، وكأني بالمعرفة الحسية تتحول إلى فكر آلي، كما هو الشأن في العادات اللفظية ـ تصنف الأشياء موضوع المحبوب والمكروه بكل يسر، وخاصة أن طبيعة هذه الأشياء تخلو من التعقيد، ولا تشوبها شوائب غريبة عن طبيعتها ـ أو أنها اتضحت في ذهن صاحبها بما يكشف عن خباياها.

إن حرية الاختيار لدى الفرد عند الجاحظ أمر مجسد في سلوكه الفكري والأدبي على السواء، ففضلًا عن آرائه الفكرية الصريحة في هذا الموضوع فإن أدبه مفعم بهذا المبدأ.

والمثال الأكثر تداولًا عند أبي عثمان والمعبر عن سلوك اجتماعي وفكري لدى الفرد هو موضوع البخل، الذي لا يمقته الجاحظ بوصفه رذيلة، لكنه يبحث عما امتزج من فضيلة الكرم ورذيلة البخل، فألحق خللًا بقيمة الكرم نفسها ومتى بلغ ذلك ترك حرية الاختيار وخاصة بعد أن وفر له عنصر التمييز بأكثر ما يكون التمييز واضحًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت