فهرس الكتاب

الصفحة 19276 من 23694

يركز قول الجاحظ المتقدم على قضية العقل الفطري والعقل المكتسب، وكيف يعجز الأول عن الارتقاء بصاحبه نحو مرتبة الإنسان العاقل، التي لا تتأتى إلا بوجود العقل المكتسب الذي تتعدد مرجعياته فتكون بين دنيوية ودينية، وضعية وسماوية.

والحس الغريزي عند الإنسان ضعيف، إذا قورن بالحس الغريزي عند الحيوان، إذ أن غريزة الحيوان مسخرة إلى ما ينفعها ويضرها بينما يهتدي الإنسان إلى معرفة ما يضره، وما ينفعه بالموازنة والمقابلة والمعايرة والتمييز العقلي.

وثمة أمر مهم هو تحديد طبيعة الأشياء المعنية بهذه العملية العقلية في الممزوج (من الخير والشر) ،"وفي بعض ما يخشى في معارضته ولا يوثق بمعرّاه ومكشَّفه" (25)

ويبدو أن مسألة التمكين والاستطاعة لها جذورها الفكرية العامة، التي ترتبط بمفهوم الجاحظ للنموذج الحيوي الذي ارتسم في ذهنه، من مقوّماته التمكين والاستطاعة، اللذان يعدان مظهريين سلوكيين قائمين على ركني العقل والمعرفة، اللذين يصنفان الأشياء المدركة، من حيث ضررها أو نفعها، شرها أو خيرها في ثلاثة أنواع، ثم يكون الاختيار.

أما الأنواع فهي الشر الصرف أو الخير المحض، أو الممزوج من كليهما. والنوع الأخير هو المعني بالعملية العقلية السالفة الذكر وهذا الإدراك المعرفي العقلي، يذكرنا بالوضعيات الثلاث التي يوجد فيها الإنسان حين اختياره أفعاله، أو إجباره عليها، فحين سيطرة العقل على الشهوة، يكون ميل النفس إليه اضطرارًا.

وهذا الميل لا يكون إلا نحو الفعل الحسن المؤدي إلى خير صاحبه أما حينما تسيطر الشهوة على العقل، فيكون ميل النفس نحوها اضطرارًا، والميل هنا نحو الفعل القبيح المؤدي إلى شر صاحبه وأما حين تتساوى قوتا العقل والشهوة، فميل النفس نحو أحدهما يكون اختياريًا.

نلحظ مما تقدم أن فعل العقل يميل بصاحبه نحو الخير متى كان سيد الموقف.

وهذه الصورة نفسها التي نجدها حينما يمتزج الشر بالخير، ويقع الممزوج تحت مجهر العقل الصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت