فهرس الكتاب

الصفحة 19275 من 23694

يقول الجاحظ:"ولو أن الناس تركهم الله تعالى والتجربة، وخلاهم وسبر الأمور وامتحان السموم، واختيار الأغذية، وهم على ما ذكرنا من ضعف الحيلة وقلة المعرفة وغلبة الشهوة وتسلط الطبيعة مع كثرة الحاجة والجهل بالعاقبة، لأثرت فيهم السموم، ولأفناهم الخطأ، ولأجهز عليهم الخبط، ولتولدت الأدواء، وترادفت الأسقام، حتى تصير منايا قاتلة، وحتوفًا متلفة، إذ لم يكن عندهم إلا أخذها والجهل بحدودها ومنتهى ما يجوز منها، والزيادة فيها، وقلة الاحتراس من توليدها، فلما كان ذلك، علمنا أن الله تعالى حيث خلق العالم وسكانه لم يخلقهم إلا لصلاحهم، ولا يجوز صلاحهم إلا بتبقيتهم، ولولا الأمر والنهي ماكان للتبقية وتعديل الفطرة معنى" (23) .

إن ضرورة وجود الإمامة قوة مادية وروحية، توجه سلوك الإنسان نحو الأمثل دنيويًا ودينيًا، ليس بالأمر الغريب على فكر رجل مثل الجاحظ، متشبع بالقيم والمثل العربية، ومعتزلي يقيم للخلافة وزنًا ذا أهمية وخاصة عندما يقرر أن الإنسان بخصائصه الذاتية لا يرقى إلى المهمة الموكلة إليه، والدور المنوط به روحيًا، مما جعله يقلل من المعرفة العقلية المكتسبة في إرساء الحياة الدنيا التي هي مطية للحياة الآخرة، يجب أن تقوم لما فيها من صلاح الناس ولا يقوم صلاحهم، إلا بتعديل الفطرة بواسطة الأمر والنهي.

ومسألة الطباع عند الجاحظ مسألة جوهرية ذات أهمية قصوى، لذلك لم يكتف في ردعها بسلطان العقل، بل تعداه إلى سلطة الإمامة، ذلك"أن الناس لو تركوا شهواتهم، وخلوا أهواءهم، وليس معهم من عقولهم، إلا حصة الغريزة، ونصيب التركيبة، ثم أخلوا من المرشدين والمؤدبين والمعترضين بين النفوس وأهوائها وبين الطبائع وغلبتها، من الأنبياء وخلفائهم، لم يكن في قوى عقولهم ما يداوون به أدواءهم ويجبرون به من أهوائهم، ويقوون به لمحاربة طبائعهم، ويعرفون به من جميع مصالحهم" (24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت