فهرس الكتاب
وإذًا فالتوحيدي يهتم بالمواقف الأخلاقية، بجانب المفاهيم النظرية، فهو يرجع الموقف الأخلاقي للإنسان إلى عوامل عديدة، أو على الأقل يرصد ذلك ويتساءل، فمن ذلك الطبع والخلق، ومن ذلك أيضًا العوامل أو الظروف الخارجية سواء تمثلت في ظروف اقتصادية أو في تربية معينة ينشأ عليها الإنسان وإن كان الإنسان بطبعه أميل إلى الشر.
ويقول التوحيدي على لسان ابن السماك: (لولا ثلاث لم يقع حيف، ولم يرسل سيف، لقمة أسوغ من لقمة، ووجه أصبح من وجه، وسلك أنعم من سلك) (22) .
مما يظهر تأكيد لأثر هذه العوامل في دوافع الصراع الإنساني وبالتالي في الحياة الأخلاقية للإنسان، فلولا الاقتصاد أو المال أو الجنس، ما وقع ظلم ولا صراعات وحروب.
ولذلك ففي ذكره للفقر أثره على الموقف الأخلاقي للإنسان يقول: (ولحا الله الفقر فإنه جالب الطمع والطَّبَع، وكاسب الجشع والضرع، وهو الحائل بين المرء ودينه وسدٌّ دونَ مروّتِه وأدبه وعزة نفسه) (23) .
فالفقر لا يؤثر على الموقف الأخلاقي فقط، بل على دين الرجل، ويفقد صاحبه الموضوعية، ويبعده عن الاعتدال، فهو إلى التفريط، أقرب إذا مدح، وإذا ذم، وهو يؤثر على نفسية الإنسان وسلوكه، ويعبر التوحيدي عن ذلك فصاحب الفقر (إن مدح فرط، وإن ذم أسقط، وإن عمل صالحًا أحبط، وإن ركب شيئًا خلط وخبط، ولم أر شيئًا أكشف لغطاء الأديب، ولا أنشف لماء وجهه، ولا أذعر لسرب حياته منه، وإن الحر الأنف، والكريم المتعيف، من مقاساته والتجلد عليه، لفي شغل شاغل وموت مائت) (24) .
الأخلاق وقوى النفس: