فهرس الكتاب
والأخلاق في الإنسان إنما ترجع إلى أن له قوى ثلاثًا، أو قوى ثلاثًا للنفس، وهي النفس الناطقة، والنفس الغضبية، والشهوانية، وهنا يظهر بوضوح الأثر الأفلاطوني، فقد جعل أفلاطون في النفس ثلاث قوى، وفي الجمهورية يرد الأفعال إلى ثلاثة ـ الإدراك، والغضب، والشهوة، فالإنسان يدرك ويغضب ويحس لذات الجسم (فيقرر أن المبادئ عدة، لأن شيئًا مالا يحدث ولا يقبل فعلين مضادين في وقت واحد من جهة واحدة فلا يضاف إليه حالات متضادة بتميز أجزاء فيه، فيجب أن نميز في النفس جزءًا ناطقًا وجزءًا غير ناطق، لما نحسه فينا من صراع بين الشهوة تدفع إلى موضوعها والعقل ينهى عنه، ولنفس السبب يجب أن نميز في الجزء غير النطقي بين قوتين هما الغضب والشهوة: الغضب متوسط بين الشهوة والعقل فينحاز تارة إلى هذا، وطورًا إلى تلك، ولكنه يثور بالطبع للعدالة، ونحن لا نغضب على رجل مهما يسبب لنا من ألم إذا اعتقدنا أنه على حق، لذلك كثيرًا ما يناصر الغضب العقل على الشهوة، ويعينه على تحقيق الحكمة في ماهو خاو من العقل والحكمة) (25) .
وقد أشار التكريتي إلى اطلاع أبي حيان التوحيدي على الفلسفة اليونانية والأفلاطونية على وجه الخصوص (26) ، ويستدل على ذلك بما يصرح به أبو حيان في"الإمتاع والمؤانسة"من استشهاد بسقراط في قوله: (قال سقراط ينبغي إذا وعظت ألا تتشكل بشكل منتقم من عدو ولكن بشكل من يسعط أو يكوي بعلاجه داء بصديق له،وإذا وعظت أيضًا بشيء فيه صلاحك، فينبغي أن تتشكل بشكل المريض للطبيب) (27) .
وكذلك في قوله على لسان أفلاطون: (مثل الحكيم كمثل النملة فهي تجمع في الصيف للشتاء وهو يجمع في الدنيا للآخرة) (28) .