فهرس الكتاب

الصفحة 19299 من 23694

وكما مرَّ بنا عن القوى الثلاث للنفس عند أفلاطون من أن النفس الناطقة تنحاز إلى العدالة، وتحاول كبح جميع القوى الشهوانية أو القوة الغضبية، فهي تميل مرة إلى هذه، ومرة إلى تلك تبعًا لتحقيق العدالة. ونفس المفهوم نجده عند التوحيدي تقريبًا، وهو يرى أن توابع القوة الغضبية، والقوة الشهوانية أكثر، ولكن إن ساستهما القوة الناطقة (حذفت زوائدهما، ونفت فواصلهما، ووفت نواقصهما، وذيلت قوالصهما، أعني إذا رأت عظمة في الشهوية أخمدت نارها، وإذا وجدت السرف في الغضبة قصرت عنانها، فحينئذ، تقومان على الصراط المستقيم، فيعود السفه حلمًا أو تحالمًا، والحسد غبطة أو تغابطًا والغضب كظمًا أو تكاظمًا والغي رشدًا أو تراشدًا، والطيش أناة أو تآنيًا) (29) . وإذا كانت توابع القوة الغضبية والشهوية أكبر، ولكن ساستهما القوة الناطقة غيرت من هذا بحذف زوائدهما...الخ.

طبيعة الأخلاق والخلق:

التوحيدي يضع أيضًا مفهومًا خاصًا للأخلاق فعنده أن (الخلق الحسن مشتق من الخلق فكما لا سبيل إلى تبديل الخلق، كذلك لا قدرة على تحويل الخلق) (30) .

ولذلك يصف أخلاق الناس من حيث أمزجتهم، فالإنسان (إذا غلبت الحرارة عليه في مزاج القلب يكون شجاعًا بذالًا ملتهبًا، سريع الحركة والغضب قليل الحقد زكي الخاطر حسن الإدراك، وإذا غلبت عليه الرطوبة يكون لين الجانب، سمح النفس سهل التقبل كثير النسيان، وإذا غلبت عليه اليبوسة يكون صابرًا، ثابت الرأي، صعب القول، يضبط ويحتد ويمسك ويبخل) (31) .

وقد يبدو هذا القول وكأنه يذهب بكل أمل في أي إصلاح ويلغي الدعوة إلى الخلق الحسن، والتحلي بمكارم الأخلاق، وكأنه لا تبديل لأحوال العباد وبالتالي فلا مبرر حتى للنصح والإرشاد أو التذكير، إلا أن أبا حيان يتدارك ذلك بعض الشيء فيجعل لذلك بعض الفائدة أو لاتقاء الضرر، ولذلك يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت