فهرس الكتاب
(لكن الحض على إصلاح الخلق وتهذيب النفس لم يقع من الحكماء بالعناء والتجريف، بل لمنفعة عظيمة موجودة ظاهرة، ومثاله الحبشي يتدلك بالماء، والغسول لا يستفيد بياضًا، ولكن يستفيد نقاء شبيهًا بالبياض، ويقال للمهذار(اكفف) لا ليكف عن النطق ولكن ليؤثر الصمت، ويقال للموتور (لا تحقد) لا ليزول عنه ما حنق عليه، ولكن ليتكلف الصبر ويتناسى الجزاء على هذا أبدًا) (32) .
وأحوال الإنسان مختلفة، وكل ما يدور عليه ويحور إليه مقابل بالضد، فالتوحيدي يبدأ فيذكر هذه الأضداد التي يدور حولها الإنسان، فالأضداد تلتف حوله من كل جانب، بل ونسيج وجوده هو الأضداد، ألا يدور وجوده كله بين الحياة والموت، فإن لم تكن اعتقادات بهذا الوضوح، فشبيهًا بالضد، ويذكر مفكرنا أمثالًا لهذه الأضداد التي يدور حولها وجود الإنسان ثم يبدأ ليتحدث عما يدخل في باب الأخلاق ومالا يدخل، ثم ينسب كل خلق إلى أصله، فمن الأخلاق ما يرد إلى الخلق بشكل محض ومنها ما هما قريبان منه، ومنه ما يدخلان تحته بوجه... الخ.
ولكنه يضع منهجًا للإنسان كيف يختار بين هذه الأضداد أو كيف يتخذ موقفه، فيرى أن عليه إن كانت في مجال الأخلاق أن يجتلب محمودها ويتجنب مذمومها. وأما إذا كان الأمر خاصًا بالحياة والموت، فهما ليسا من الأخلاق ولا يعالجان بالاجتهاد، ولكن النوم واليقظة، وإن كان أيضًا ليسا من الأخلاق، إلا أ نه يمكن للإنسان أن يقف عند حد الضرورة فيكون بذلك قد وفق في الاختيار.