فهرس الكتاب

الصفحة 19330 من 23694

إنه زعم يجعل التشبيه والاستعارة والكناية، ناشئة في صلب الاختمار الفني الذي يحدث في الغياب، وكأن الذات -وهي تفكر في هاجسها -تُشبّه، وتستعير وتكنِّي.. أي هي عمليات أصلية في التنشئة الإبداعية، وليست طارئة عليها بعد الفراغ من التحويل والإنجاز. لقد نشأ وهم التابعية فيها، من الدرس البلاغي المدرسي الذي يتوقف في البيت الشعري، والسطر النثري، عند العناصر البلاغية وحدها، وكأنها عناصر مستقلة، يمكن استخراجها من الصنيع الفني دون أن يفقد توازنه. ومن ثم كان الوهم الذي تولاّها، ينظر فيها نظرة العامل المكمِّل، الذي يأتي نهاية الأمر ليضيف إهابًا من الجمال على الصورة المختارة، أو يذهب بها في وجه الشبه ليزيدها سعة ودلالة. غير أن المتفحص للتركيب الشعري والأسلوب النثري في كليته والتحام أجزائه، سريعًا ما يتراجع عن ذلك الوهم، مدركًا أنه أمام بناء واحد تتعدد فيه الألوان وتتسع بفضل كافة العناصر القائمة فيه. فلا فضل للفظ على آخر، ولا مزية لأسلوب على غيره، بل الفضل والمزية جميعًا للبناء المحكم المتماسك. فإذا نحن قرأنا مثلًا بيت"امرئ القيس"

وليل كموج البحر أرخى سدوله عليّ بأنواع الهموم ليبتلي

وحاولنا عزل العناصر البلاغية، وفق الفهم القديم، لم يبق لنا في البيت إلا الليل، والهموم، والابتلاء. صحيح أنها بؤر التوتر في البيت الشعري، بيد أنها ليست كذلك في ذات الشاعر. بل إن حضور البحر في أعماقه ومخاوفه -وهو ابن الصحراء -يطلُّ علينا من أعماق، ربما ارتدت إلى خواطر أسطورية، تغذِّيها حكايات الغرق والهلاك. وقد كان في مقدور الشاعر أن يشبه الليل بالصحراء -بحره المألوف -ولكن حديث النفس في مخاوفها يتجاوز المألوف إلى المخوف، ويبتعد عن الداجن إلى الوحشي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت