فهرس الكتاب

الصفحة 19331 من 23694

فالتشبيه الذي قرن بين الليل والموج العالي المُرغي المُزبد، يحتفظ بعاملي الارتفاع والاشتمال، ليمكِّن للاستعارة من بعده أن تفعل فعلها حين تقرن الليل مرة أخرى بالخيمة العظيمة المسدلة الستائر. هذا التراكب بين التشبيه المفضي إلى الاستعارة، لا يعضِّده في البناء المشهدي سوى التحويل الذي يحوِّل الستائر إلى هموم مسدلة سوداء مظلمة. فحركة النفس في هذا الموقف لا تشعر بالهموم الليلية على الصورة السطحية التي يشعر بها العامة من الناس، ولكنها تغترف من مخاوف الشاعر المطمورة ظلالها وأثقالها، فتصعد إلى حدسه الفني موجًا متلاحقًا مرتفعًا يغرفه، وخيمة عظيمة تشتمل عليه فتسدل ستائرها. وهو امتداد آخر يمكِّن الهاجس المستوحش من ملامسة صورة الجمل الهائج الذي يسحق صاحبه تحت كلكله.

وإذا نحن تأملنا المشهد ألفينا فيه حركة متسارعة تحاكي تدافع النفس في صدر المرعوب، لا يفسرها سوى تلاحق التشبيه والاستعارات في بيتين. وهو حيز ضيق لحشد هذا الكم الهائل من الصور التي لا تأتي مكتملة الأجزاء والحدود، بل يكفي فيها أن تسكت عن كثير من عناصرها، يجد لها التلقي في المجال التأملي ما يوسع ألوانها وظلالها. وإذا عدنا إلى الدفق الحياتي الذي أطر المشهد الفني، ألفينا أن الدفق يستغرق الليل كلّه:

فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف أعجازًا وناء بكلكل

إن في الليل استطالة وتمددًا، تعمرهما الهواجس التي تتوزع النفس شعاعًا، تذهب بها في متاهات الظنون والأوهام، وتسرح بها المخاوف في الفجاج والمفاوز، ويتخطفها القلق من كل جانب، وليل الخائف لا بداية له ولا نهاية، وكأن حركته"شدت بأمراس"تعطل دورن الفلك. كل ذلك يحتويه المشهد الفني دفعة واحدة وفي حيز ضيق حرج، وليس أمام التعبير من حيلة لاحتوائه سوى اللجوء إلى بلاغة الكتابة المشهدية، يفرغ فيها إشاراته ورموزه، تتزاحم بالمناكب لتتسع أمام القراءة التي تتخطى خطية الحضور إلى الغياب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت