لقد فطن"سيد قطب"-مبكرًا -إلى هذا الضرب من الاقتصاد الذي يمكِّن المتلقي من المشاركة البناءة في استثمار الفراغ الباني في الصياغة الشعرية، التي كثيرًا ما تفسد عليها اكتنازها الدلالي ثرثرةُ الشاعر التي لا تعرف أين يتوجب عليها الصمت. فقد أورد مثالًا من شعر"عمر بن أبي ربيعة"في غزلياته حين يقول:
إن خير النساء عنديَ طرًا من تواتي بوصلها ما هوينا
فاذكري العهد والمواثيق منا يوم آليت لا تطيعين فينا
فيعلق قائلًا:"فإن"آليت لا تطيعين فينا"بهذا الغموض الذي أنتجه حذف المفعول، فيها من الروعة ما فيها. ولكنه أفسد علينا هذه الروعة المبهمة، فقال بعد ذلك:"
قول واش أتاك عنا بصرم أو نصيح يريد أن تقطعينا
وقد كنا في غنى عن ذكر المفعول، الذي لم يأت بشيء جديد من عنده، فقد فهمنا من"يوم آليت لا تطيعين فينا"أنها لن تطيع"قول واش ولا نصيح"وأحسَسْنا ما هو أكبر من ذلك، وهو أنها مستعدة أن تسمع مجرد استماع لمن يحدثها فيه." (2) وهي إشارة مبكرة لعامل المشاركة التي يتوجب على المتلقي إبداؤها إزاء الصمت الذي كثيرًا ما يعمر أرجاء القصيدة، شأن الصمت في العزف الموسيقي، والمسح اللوني الذي يتخطى المساحات في اللوحة."