فهرس الكتاب

الصفحة 19333 من 23694

أما في مثال امرئ القيس فالعامل البلاغي يقوم بوظيفة جديدة، غير الوظيفة التجميلية التي أناطها به الدرس المدرسي. إنها تمكِّن التعبير من الاتساع -عبر التشبيه والاستعارة -إلى مكوِّنات الدفق الحياتي وانعكاساتها في صفحة الذات. إذ الحياة جارية لا تأبه به وحده، وإنما في كرها تفرغ عليه من دواعيها ما يطوِّح به بعيدًا في عالم المخاوف والمحاذير. هو قسط إن أضفناه إلى أعباء الحياة نفسها تعاظم أمرها، وصار من المستحيل تسجيله في كليته. من هنا يأتي دور العامل البلاغي بما يتوفر فيه من إمكانات ليمدد الصياغة -عبر القول والصمت -إلى حدود يكون معها دور المتلقي حيويًا في تلمُّس الأبعاد الخفية للمستور. شريطة أن لا تشوش ثرثرة الشاعر عليها باستدراك يبدِّد طاقتها، ويفسد عليها الغموض المحبب.

2-جماليات التشبيه:

قال عنه علماء البلاغة إنه أشرف أنواع البلاغة وأعلاها، يدل على فطنة الشاعر ويقظته العقلية، وأنه أصعب أنواع الشعر وأبعدها متعاطى، وقلما أكثر منه أحد إلا عثر، ذلك ما دَفع بـ"ذي الرمة"إلى القول:"إذا قلت كأن، فلم أجد وأحسن، فقطع الله لساني" (3) . وهو التفات يجد في كتب النقد والبلاغة الكثير من الشواهد التي تعزِّزه، وترفع من شأن التشبيه. بيد أنها توحي من طرف خفي، وكأن العملية التشبيهية تقع دائمًا بمعزل عن العملية الإبداعية، أو هي ملحقة بها. فقول"ذي الرمة"السابق يجعل الأداة"كأن"حاجزًا بين الشعر والتشبيه. فهي تضمر أن ما قبلها أصل، وأن ما بعدها إنما يؤتى به للتجويد فقط.

ومن يراقب أقوال أهل البلاغة في التشبيه يجد الفكرة جلية واضحة فيما يقدمون. وربما يكون من السهل علينا عرضها استنادًا إلى ما جمعه"مجيد عبد الحميد ناجي"في بحثه عن"الأسس النفسية للبلاغة العربية"تسهيلًا لضرورة العودة إلى المصادر الأولى، فيكون لنا من أقوالهم هذه المتوالية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت