فهرس الكتاب

الصفحة 19503 من 23694

ولكن التاريخ الذي نشأ في رحمه هذا الجنين في حقبة حركة التدوين في القرن الثاني للهجرة وترعرع حتى أصبح بشرًا سويًا في منتصف القرن السابع للهجرة، أقول إن التاريخ لم يرحم هذا المخلوق البديع بل سلط عليه أيديًا آثمة اغتالت وجوده ودمرت كيانه فكان الغزو المغولي في سنة 656 حيث اجتاحت بغداد عساكر المغول، وهؤلاء كانوا أمة أمية، وبقرًا جهَلة، لا يقدِّرون للعلم مقدارًا، فعاثوا في مكتبات العراق فسادًا وكانت عاصمة العلم وأم الكتب بغداد، وفي مكتباتها مخزون ما أبدعه الفكر العربي والحضارة الإسلامية التي كانت قد بلغت أوجها في ذلك الزمان، فبدّدوا هذه الكنوز الثمينة وأغرقوا قسمًا منها وأحرقوا قسمًا آخر، والقصة مشهورة يتناقلها الناس منذ ذلك الزمان.

ودار الزمان دورته فامتلأت دور الكتب في العراق بما سلم من الكتب القديمة مضافًا إليها الكثير من الكتب الجديدة، والفكر العربي والإسلامي ولود منجب، ولكن للدهر جولات وصولات، فتكررت مأساة جند المغول وعداوتهم للكتب أكثر من مرة، وكل مثقف لا بد أنه قرأ عن هذه المآسي التي كانت من بني الدهر والكتب المخطوطة، وكان المثقف في كل مرة يقرأ عن مأساة المخطوط في العراق، ربما يلتمس العذر لأولئك الجند المرتزقة الجهلة المتخلفين فكريًا وحضاريًا، فيسكت، بحزن عميق، عن تدميرهم للمخطوطات وما بها من مخزون للفكر العربي والإنساني، ولكنه لا يجد ما يلتمس به العذر لأمة تدعي أنها أمة الحضارة، وزمنها زمن العلم والثقافة واحترام المعرفة، ومع ذلك تفعل بمخطوطات العراق وآثارها ما فعله جند المغول، وعسكر التتار، أقول هذا القول وكأني بقائل يقول: الحرب هي الحرب وجنود اليوم مرتزقة كجنود الأمس، لا يهمهم العلم، ولا يطربون للأدب وإنما يفعلون ما يؤمَرون إلا أنني أقف عند كلمة ( يؤمرون) لأتوجّه بكل اللوم للآمر المثقف والمدعي للمعرفة، والذي يضع أمته على قمة الأمم في عصر العولمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت