فهرس الكتاب
الأول: اتجه فيه إلى الأحياء المبصرين؛ وبخاصة من يزعمون أنهم فقهاء وقُرَّاء حَفَظة؛ أو نقاد ولغويون وأدباء مَهَرة...
والثاني: اتجاه ذاتي اتجه فيه إلى معركة مع الزمان أو القدر الذي كبله بأرزاء شديدة؛ أبرزها العمى منذ طفولته؛ ولكنه صيَّره مكمن إبداعه وإلهامه.
وقد عمَّق هذا وذاك مفهوم التحدي لديه في كينونة الوجود وإثبات الذات؛ فتفجرت عنده ينابيع العبقرية والإبداع فكرًا وفلسفة، وتعبيرًا فنيًا جديدًا... وقد اعتمد في ذلك كله على ذهن تصوري تخيلي، وتخييلي، أفاد فيهما من حساسيته المرهفة، وذكائه الحاد، ومخزون ثقافته العظيمة، وضخامة تجاربه، وتمتعه بالقدرة العجيبة على المحاورة والمناظرة والمقارنة والمعارضة والمقايسة.
وقد هيأه ذلك كله ليجعل شعره في (لزوم ما لا يلزم) سبيلًا فنيًا يقارع به الشعراء؛ وليضع العديد من مؤلفاته؛ كرسالة (الصاهل والشاحج) باعتبارها مناظرة فكرية فلسفية ذات مغزى ديني مثير في إطار رؤيته... أما (رسالة الغفران) فهي حجة دامغة بعيدة الإيحاء في كثير من مناحي الفكر والفلسفة والثقافة والأدب والنقد واللغة والتراجم والفقه... وهي تُظهر ـ دون أدنى ريب ـ عظمة قدرته ومخزون معارفه مما يفضح الثقافة الباهتة لابن القارح الذي تطاول بنفسه وثقافته التي عرض لها في رسالته إلى أبي العلاء المعري... وقد جعلها أبو العلاء مفتاحه لرحلة الغفران.
فأبو العلاء يعيش أبدًا في عالم ذاتي تخيلي وتخييلي، وكأنه لا يعنيه من الواقع الحقيقي الذي يحيط به؛ أو من الواقع الثقافي التاريخي إلا ما يقع على عدسة خياله؛ ومن ثم يجسده شكلًا عليًا على جناح كلماته التعبيرية المثيرة.