فهرس الكتاب
فعَالمه هو ذاته وما يرحل إليه في عوالم الخيال، وما يهيم فيه في إطار نزعة التخيُّل والتخييل؛ لينسج فكرة هنا؛ أو يرسم لوحة هناك... إنه يسبح في ملكوت ثقافة عظيمة تمكّن منها؛ فهو يقتطف مما وعاه فؤاده لغةً غزيرة... ويقدم من زناد فكره وعلمه رأيًا ما، أو فلسفة مثيرة للجدل؛ أو فنًا يعارض فيه الآخرين أو يناظرهم فيه؛ فيوازن ويصطفي ويختار؛ ليأتي مؤلفه أو شعره محكم النسج؛ متلاحم الأجزاء...
فإنتاجه كله إنما هو إلهام وإبداع وصياغة فريدة في رحلة فكرية متخيلة مفترضة لديه تؤكد ذاتها بأشكال شتى، ومضامين متنوعة وكثيرة تختزن في طبيعتها مفهوم التخيل والتخييل المرتبطين بالتصور الذهني الذي يعدّ أبعد ما يكون عن مفهوم المحاكاة المعروف عند أرسطو أو غيره من العرب والمسلمين كأبي نصر الفارابي (260-339هـ/ 873-950م) .
وليس هناك من ريب في أن مفهوم التخيل يختلف عن مفهوم التخييل لغةً؛ وهما يختلفان عند أبي العلاء أيضًا... وليس هناك من شك ـ كذلك ـ في أن بعض الباحثين تصدى لشيء من ذلك ولكنه لم يُفَرّق بينهما؛ لأنهما يعتمدان معًا على الخيال والتصوير الذهني. ( [19] )
ولمّا كان المعري لا يعي من الصور الحقيقية الواقعية شكلًا محددًا فإننا ننفي عنه مفهوم التصوير الذي يدل على إعطاء الموجودات كل ما يطابقها أو يحاكيها؛ علمًا أن الصورة هي الشكل المطابق للأصل. ولهذا قيل: التصاوير: التماثيل، وقال ابن الأَثير:"الصورة تَرِدُ في كلام العرب على ظاهرها، وعلى معنى حقيقة الشيء وهيئته، وعلى معنى صفته. ويقال: صورة الفعل كذا وكذا: أي هيئته". ( [20] )