فهرس الكتاب

الصفحة 19523 من 23694

وإذا كنا ـ جميعًا ـ لم نعهد مثل هذه المشاكلة المعنوية مع حبَّة القلب ـ من قبل عند غير أبي العلاء ـ أيقنا بأنها تحيَّة رمزية خيالية تشي بأبعاد كثيرة... فهذا الاستهلال الخيالي التصويري إنما يشاكل ما انطوت عليه رسالة ابن القارح من خُبْث ونفاق؛ وتلون ورياء، وتبجّح وادعاء، وما ترسيه من زهو وتعالٍ... فشأن ابن القارح لا يخفى على المعري؛ فليس هو بالخِبّ الذي يُخْدَع بظاهر الكلام؛ فكيف به وقد هجا ابن القارح الشيخ المبجل أبا القاسم، حيث خاطب فيها المعري بقوله:"بلغني عن مولاي الشيخ ـ أدام الله تأييده ـ أنه قال ـ وقد ذُكرت له ـ: أعرفه خَبَرًا، هو الذي هجا أبا القاسم بن علي بن الحسين المغربي. فذلك منه ـ أدام الله عِزَّه ـ رائع لي؛ خوفًا أن يستَشِرَّ طبعي، ويتصورني بصورة من يضع الكفر موضع الشكر... وأنا أُطلعه طِلْعَه ليعرف خَفْضه ورفعه، وفَراده وجمعه". ( [39] ) ثم ذكر الخبر الأسبق المثبت من قبل في الحاشية الخامسة والثلاثين.

فلم يعد هناك ما يثير الجدل في أن المعري إنما وضع هذه المقدمة الخيالية المثيرة شكلًا ومضمونًا ليسخر من ابن القارح بأسلوب ملغز لم يعهده الناس؛ فضلًا عما توحي به الأدعية التبجيلية الكثيرة بقرينة الضدية ـ علمًا أن كل شيء زاد على حده انقلب إلى ضده ـ ( [40] ) ... وكذلك حين استخدم كثيرًا من الآيات القرآنية التي يدل بسياقها على معنى التهكم الشديد منه. ويطالعنا هذا كله منذ بداية الرسالة، إذ وصف رسالة ابن القارح بأن الله ـ سبحانه ـ"قد نصب لسطورها المُنْجية من اللهب معاريجَ من الفضة أو الذهب؛ بدليل الآية: )إليه يصعد الكَلِمُ الطيب والعمل الصالح يرفعه ((فاطر 40/10) "، ثم ربط هذا بشجرة (ذات أَنْواط) التي كان يعظمها الجاهليون...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت