فهرس الكتاب

الصفحة 19550 من 23694

فالتصوير التشخيصي البصري المتخيل ماثل بكل أبعاده وأحجامه وألوانه وحركاته... فاللون ـ مثلًا ـ تجسد بالأسود الممثل بالعنبر والمسك؛ وبالأخضر المعبر عنه بشجر الغيطان؛ وبالأصفر الذي أوحى به لون الرمال... وظهر في صميم ذلك التوشية اللونية المشكلة بصور الرحل... فالمشهد أصبح بين أيدينا صورة مرئية ذات ألوان مثيرة، وهي تتشح بكل عناصر التألق والحركة، ولا سيما حين مزج بين المشهد الممكن المقنع، وبين المشهد العجائبي المستحيل غير المقنع، وفق مفهوم المشيئة الكامن في قدرة الله ـ سبحانه ـ كما جاء في جواب تلك الثمرة، ووفق قانون الاحتمال الذي يصوره خيال المعري.

وليس هناك من يرتاب في أن المعري قد وظّف ثقافته التراثية، والدينية لبناء نسيجه الفني المتخيل في رسالة الغفران، فقامت بصيرته مقام بصره الذي فقده؛ فأبدع ما أبدع، مؤكدًا طابعه الخاص في كل أشكاله القصصية... وعلى الرغم من ذلك يصفه بعض القوم بالأعمى )ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم ((البقرة 2/20) . ففقدان بصره صار أداة حيوية في التشخيص، ومنارة في القياس والمثاقفة الذاتية التي تجلت في رسالة الغفران صورًا بديعة متميزة تحلق على جناح الخيال. ( [31] )

فالمعري قدّم لنا درسًا لا ينسى في الزاد الثقافي التراثي ـ على حين يتغافل كثير منا عن تراثهم؛ أو يهجرونه؛ باعتباره ليس ذا قيمة؛ كما يزعمون، لجهلهم به ـ فقد جعل التراث وسيلة فنية تصويرية في أدب الخيال في رسالة الغفران؛ في الوقت الذي سَخَّره لمقاصده ورغباته، فسبق بذلك ابن رشيق (ت 456هـ) وحازم القرطاجني (683هـ) الذي عُني كثيرًا بربط الطبيعة الفنية للنص بالمقاصد والوظائف. ( [32] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت