فهرس الكتاب

الصفحة 19555 من 23694

ولا مراء في هذا كله؛ لكن المعري ما عقد شيئًا إلا بمشيئة الله؛ ومن هنا فإن تصوراته وآراءه وتحليلاته كلها كانت منضوية تحت تلك المشيئة، وبها حاول أن يلبي رغباته كلها... وقد ساعده على هذا ثقافة إسلامية واسعة لم يتحيَّف عليها، أو يغمز منها... وعضد هذه الثقافة بعقل حصيف وقّاد وعالم؛ ورؤية نفسية وفكرية موضوعية... فجاء البناء الفني المتخيل نسيج ذلك كله. ولعل من بين المشاهد القصصية الموحية بما قلناه حكايته عن الأخطل التغلبي الذي أدخله النار... وكان ابن القارح يطوف فيها؛"وإذا برجل يتضوّر؛ فيقول: مَنْ هذا؟! فيقال: الأَخطل التغلبي. فيقول له: ما زالت صِفَتك للخمر حتى غادرتْك أُكُلًا للجمر؛ كم طَرِبَت السادات على قولك!!"؛ وأنشد قصيدة له منها:

فلذَّتْ لمرتاحٍ، وطابت لشارب

فما لبثتنا نَشوة لحقَتْ بنا ... توابعُها مِمَّا نُعَلُّ ونُنْهَلُ

"فقال التغلبي: إني جَررت الذَّارع، ولقيت الدارع؛ وهجرتُ الآبدة، ورجوت أن تدعى النفس العابدة، ولكن أَبَت الأَقضية. فيقول ـ أَحلَّ الله الهلكة بمبغضيه ـ: أخطأت في أمرين؛ جاء الإسلام فعجَزْت أن تدخل فيه، ولزمت أَخلاق سفيه؛ وعاشرت يزيد بن معاوية؛ وأطعت نفسك الغاوية؛ وآثرت ما فني على باقٍ؛ فكيف لك بالإباق؟!!. فيزفر الأَخطل زفرة تعجب لها الزبانية". ( [5] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت