فهرس الكتاب

الصفحة 19556 من 23694

فالمشهد الفني السابق بنيت عناصره على أساس العلاقة الواقعية التاريخية؛ والمفاهيم الدينية بين ما كان عليه الأخطل وبين المصير الذي آل إليه في مفهوم المعري... فالمتعة الفنية لم تتحصل فقط من القدرة على توظيف الثقافة التاريخية والدينية لتغدو حدثًا يدور عليه النص، ويحقق عناصر التخيّل المفترض من دخول الأخطل النار حتى تعجب الزبانية من زفيره.. بل تحققت أيضًا بفكرة التعليل والبرهان العقلي التي سُخّرت لإبراز ذلك... والبرهنة العقلية والتعليل مذهب الفلاسفة والمفكرين وهما مذهب المعري في توظيف ما لديه لخدمة أدب الخيال في رسالة الغفران.

وأختم هذا الجانب من عملية توظيف العناصر المكونة للقصة الخيالية في رسالة الغفران بمشهد التقاء إبليس بابن القارح، الذي يدل على الوظيفة النفسية لديه وبما يوحي به من التهكم والسخرية بابن القارح... فلما اطّلع على إبليس في نار جهنم والزبانية تأخذه؛ قال:"الحمد لله الذي أمكن منك يا عدو الله وعدو أوليائه!!. لقد أهلكت من بني آدم طوائف لا يعلم عددها إلا الله. فيقول: مَنِ الرجل؟ فيقول: أنا فلان ابن فلان من أهل حلب، كانت صناعتي الأَدب، أتقرب بهِ إلى الملوك!!!. وإنها لَمَزَلَّةٌ بالقدم؛ وكم أهلكتْ مِثلَك،!! فهنيئًا لك إذ نجوْتَ؛! فأَولى لك ثم أَولى". ( [6] )

فالمعري لم يبدع هذه الحكايات الخيالية العجائبية لمجرد الإمتاع الفني فقط؛ وإنما جعلها أنماطًا فنية بديعة موظفة لدلالات كثيرة ذاتية واجتماعية وثقافية... وإيحاءات معنوية وفنية لا حصر لها. وكانت كل وظيفة تنبع من سياق كل قصة أو مشهد تخيلي أو تخييلي سواء قام على التصوير أم مزجه بالبرهنة والتعليل؛ وسواء عرضه بشكل مباشر أم قدَّم بين يديه الإضاءة المناسبة لفكرته...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت