لهذا لا يمكن أن تكون رسالة الغفران منفصلة في الرؤية عن العديد من الكتب الأخرى؛ مثل (الصاهل والشاحج) أو (زجر النابح) ... أو... فهي صنعة عقل جبار أبدع فيها طريقة ومادة... وجسَّدت في الوقت نفسه ثقافة عربية وإسلامية متميزة في اللغة والأدب والنقد والشعر والفلسفة والدين... وعبَّرت عن تجارب شخصية لا حصر لها.. فكل ما في الغفران صادر عن ذلك كله؛ فقد أشارت ـ مثلًا ـ إلى مذاهب إسلامية عديدة كالمُرْجِئَة والجَبْريّة والقَدَريّة... وحوت وصف الجنة والنار كما ذكر في القرآن؛ فضلًا عن أسمائها القرآنية؛ فقد سمى دار العذاب بالنار والجحيم وجهنم وسقر والسعير، واستعمل لفظ الزبانية والأغلال والسلاسل... أما شياطين الشعر فهي من التراث العربي الخالص الذي عرفه الجاهليون وكتب فيه بعض الباحثين كأبي زيد القرشي... وتعلق المعري بهذه الفكرة ولكنه ساقها بشكل فني خيالي جديد لا عهد للعرب به. ولا بأس علينا أن نثبت شيئًا من حكاية الجني (أبي هَدْرش) الذي ساق على لسانه جملة من الأشعار والأخبار، كما فعل السابقون قبله؛ لكنه تفرد عنهم حين جعله يتحوّل من شكل إلى آخر، متأثرًا بكل ما عرف في القرآن عن الجن والشياطين؛ ثم قال:"لله دَرُّك يا أبا هَدْرشَ!! لقد كنت تمارس أوابد ومُنْديات، فكيف ألسنتكم؟! أيكون فيكم عرب لا يفهمون عن الروم، وروم لا يفهمون عن العرب؛ كما نجد في أجيال الإنسان؟! فيقول: هيهات أيها المرحوم!! إنا أهل ذكاء وفطنٍ؛ ولا بد لأحدنا أن يكون عارفًا بجميع الأَلسُن الإنسية، ولنا بعد ذلك لسان لا يعرفه الأَنيس. وأنا الذي أنذرت الجن بالكتاب المنزل..."ثم يشير إلى الآية الثانية من سورة (الجن) التي استمع فيها الجن إلى القرآن الكريم لمَّا نزل على قلب النبي الكريم فآمن به طائفة من الجن وكفرت طائفة؛ ومن ثم كُفُّوا عن استراق السمع ورجموا بشهب حارقة... ( [7] )