لهذا يختلف النسق التأليفي لذكر الشياطين والجن في البناء الفني الخيالي عما ورد عند غيره؛ كابن شُهَيْد الأندلسي وأبي زيد القرشي؛ كما يختلف عما نستشعره من نسيج فني متخيل في القصص الاجتماعية الواقعية الساخرة التي عرفناها عند الجاحظ (ت 255هـ) في (البخلاء) و (رسالة التربيع والتدوير) وعند بديع الزمان الهمذاني (ت 398هـ) والحريري (ت 516هـ) في حكايات المقامات. ( [8] )
فرسالة الغفران قصة تتجاوز الزمان أو المكان، أو الأجيال صيغت صياغة علائية عربية إسلامية خالصة وفريدة في منهجها التاريخي والثقافي والفني. ( [9] ) واستحق خيال المعري أن يصبح مرآة نفسه وفكره ورغباته، فالخيال الفني مثَّل لديه ظِلَّ كل شيء في ذهنه ـ كما تقول اللغة ـ فالخيال لكل شيء تراه كالظل؛ وهو الشخص والطيف... فخياله جسَّد عالمه في تأملاته ومعاناته؛ به حطم قواعد الترسل ونظام الرسائل أيًا كان نوعها، وأدخلها في نظام فني قصصي مسرحي جديد لا عهد لها به... ثم تعاونت الأنماط الفنية الثلاثة فيما بينها بشكل أنيق ومتآلف دون تنافر أو خلل أو ضَعف.
وما من باحث يتعرض لأدب الخيال في رسالة الغفران يمكنه أن يهمل الإشارة إلى أسبقية التأليف فيه، ومن ثم لا يستطيع إغفال ذكر الحكايات الخرافية عند العرب وغيرهم من الأمم الأخرى.
ومن هنا سنُلِمُّ بسرعة في الحديث عن ذلك؛ دون التفصيل فيه؛ لأن بابه في الدراسة المقارنة من باب التأثر والتأثير. ولعل المتصوفة كانوا سباقين إلى التأليف في أدب الخيال المستند إلى الرحلة من عالم الأزل (الدنيا) إلى عالم الأبد (الآخرة) ؛ متأثرين بهذا بمشاهد يوم القيامة في القرآن الكريم، وبأوصاف الجنة والنار... ويعد المحاسبي (ت 243هـ/ 857م) في طليعتهم؛ إذ صنف كتاب (التوهم) ورسالة (البعث والنشور) في هذا الاتجاه. ( [10] )