وبناء على ما تقدم يتضح لنا أن الحرف الإبداعي قد تعذَّب هو الآخر كما تعذَّب صاحبه من قبل؛ ولكن ألقه وقدرته على الإبداع الأدبي الخيالي في التخيل والتخييل دفعا الباحثين في كل زمان ومكان إلى قراءته قراءة واعية حرّة ومتأملة تؤسس لرؤى لا حصر لها... وكل رؤية تؤكد أن (رسالة الغفران) تتميز بنزوع عربي إسلامي خالص في التعبير، والمادة، والمنهج. فمنهجها منهج نظام الرسائل بشكله العام وإن طوّره أبو العلاء؛ بإدخاله في نظام تأليفي ثلاثي جديد متخيل تخيلًا علائيًا لا يماثله نظام آخر. فهو بناء ترسلي قصصي مسرحي عقلي بسيط وواضح قام على المناداة بالرجوع إلى العقل لمناقشة أي قضية مهما كانت شائكة...
وكل من يقرأ (رسالة الغفران) بموضوعية وحياد ونزاهة، ويتصل بها بقلب مفتوح؛ وعقل واعٍ وحر فإنها تحقق له طبيعة التفاعل السامي الكاشف، وتثير عواطفه على مشاعر ومعانٍ عظيمة مختزنة في كل قصة أو مشهد، مهما كثر أو قل، صغر أو كبر. ولا زال الزهو يأخذنا كلما قرأناها لريادتها المبدعة والفريدة في التأليف الأدبي الخيالي القصصي والمسرحي، وفي تبني منهج خيالي لرحلة سماوية؛ أو تبني منهج علمي لرحلة خيالية ترود عالم المجهول، وهو ما يحدث في عالمنا اليوم ( [15] ) .
وسيبقى لها هذا الأثر المتجذر فينا لتفردها دون غيرها بمادة خيالية أدبية ولغوية ونقدية وفلسفية ودينية تراثية... تهتدي بسنَنها، ونتمثلها لتطوير حياتنا؛ وفننا ومنهجنا... وهذا يعني أنه هدية عظيمة أبدية للإنسانية قبل أصحابها؛ لأنها رادت مناطق من الفكر والفلسفة والنفس والخيال لم يرتق إليها أحد إلا أبو العلاء... إذ ما زال يثبت رسوخ قدمه فيها. فلم يستسلم للهزيمة والوقوف خلف أسوار القدر حين ابتلاه بالعمى؛ ولم ينزوِ عقله خلف أسوار بيته وإن رهن نفسه فيه... فقد انطلق باحثًا عن المصير والخلود فحقق بخياله عالمَه الحر البعيد عن كل عُقد مجتمعه...