فهرس الكتاب

الصفحة 19568 من 23694

إن النظام اللغوي وجد لكي يفيد ويبلغ أغراض المتكلم ومقاصده للمخاطب، فهو وسيلة تبليغ جوهره الإفادة، وكان العلماء العرب القدماء على وعي بهذا؛ فقد بنوا النحو على مبدأ التخفيف والفرق، وهو مبدأ الاقتصاد اللغوي الذي عرفه اللغويون المعاصرون، أي أن الهدف الذي يوده المتكلم هو أن يبلغ أكبر عدد ممكن من الفوائد في وقت قصير وبمجهود قليل (1) .

فهناك مبدآن أساسيان يبنى عليهما الاستعمال اللغوي هما:

ـ الاقتصاد: الذي يحتاج إليه المتكلم من حيث المجهود العضلي والذاكري عند إحداثه للخطاب في حالة الاستئناس.

ـ والبيان: الذي يحتاج إليه المخاطب، ويؤثر هذان المبدآن في بنية اللغة بحسب مقتضيات أحوال الاستعمال (2) .

ولما تشعبت ظاهرة التبليغ في التراث اللساني العربي، وكان المقام لا يسمح لنا بالتوسع فيها كثيرًا (3) ، فإننا سنقتصر على اختيار عينة من الأعلام المشهورين فقط.

ـ 1 ـ

يمكننا أن نبحث عن ظاهرة التبليغ بدءًا بالحديث عن سيبويه (ت سنة 180هـ) ، من خلال تصوره للجملة على الرغم من أن هذه التسمية نفسها لم ترد في الكتاب (4) ، وكذلك عبارة"جملة مفيدة"لا أثر لها في الكتاب، وبعد سيبويه، إلا عند المبرد في كتابه"المقتضب"؛ فقد رجح الأستاذ عبد الرحمن الحاج صالح أن شيخه المازني قد استعملها هو أيضًا، وقد يكون الأخفش الأوسط [سعيد بن مسعدة] تلميذ سيبويه وأستاذ المازني هو الذي استعمل عبارة"جملة مفيدة"؛ لأنه أول من استعمل كلمة"فائدة"بمعنى العلم المستفاد من الكلام (5) ، وهي تعني حصول الفائدة بما يضمن التفاهم المتبادل بين المتخاطبين.

وإذا كان سيبويه لم يستعمل عبارة"جملة مفيدة"فإنه استعمل مكانها لفظة"كلام"كوحدة إعلامية تبليغية بين متكلم ومخاطب؛ فالكلام المستغني عنه السكوت هو الذي يحقق الفائدة وبه يحصل المعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت