فهرس الكتاب
وانطلق عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ) من أغراض المتكلم وأحوال الخطاب، وما يترتب على ذلك من كلام يتميز بخواص تركيبية وموضعية ـ بالنسبة للألفاظ ـ تتلاءم مع المقامات التي تقال فيها، فنفذ إلى صميم الظاهرة التبليغية من خلال نظريته في النظم (78) وهي توخي معاني النحو وأحكامه وفروقه ووجوهه والعمل بقوانينه وأصوله (79) ، وهو أن"ترتب المعاني أولًا في نفسك، ثم تحذو على ترتيبها الألفاظ في نطقك" (80) ، ولعل أوفى العبارات وأهمها عن النظم هي (81) :"واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك، فلا تخل بشيء منها، وذلك أنَّا لا نعلم شيئًا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه فينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك، زيد منطلقٌ، زيد ينطلق، وينطلق زيد، ومنطلق زيد، وزيد المنطلق والمنطلق زيد، وزيد هو المنطلق، وزيد هو منطلق. وفي الشرط والجزاء إلى الوجوه التي تراها في قولك: إن تخرجْ أخرجْ، وإن خرجتَ خرجتُ، وإن تخرج فأنا خارج، وأنا خارج إن خرجتَ، وأنا إن خرجتَ خارج. وفي الحال إلى الوجوه التي تراها في قولك: جاءني زيد مسرعًا، وجاءني يسرع، وجاءني وهو مسرع أو هو يسرع، وجاءني قد أسرع، وجاءني وقد أسرع. فيعرف لكل من ذلك موضعه ويجيء به حيث ينبغي له. وينظر في الحروف التي تشترك في معنى ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية في ذلك المعنى، فيضع كلًا من ذلك في خاص معناه نحو: أن يجيء بـ"ما"في نفي الحال، وبـ"لا"إذا أراد نفي الاستقبال، وبـ"إن"فيما يترجح بين أن يكون وأن لا يكون، وبـ"إذا"فيما علم أنه كائن."