إن الاعتزاز باللغة العربية لا يكون من خلال الخطب الرنانة والتعبيرات الشعرية والمديح المتكلف، وإنما يكون من خلال التطبيق العملي لإحلال هذه اللغة محلها اللائق في نفوس الصغار بحيث يُنَشّؤون على حبها والتعلق بها وجعلها سهلة ميسرة لهم والبعد بها عن التكلف وإشعارهم عمليًا بقدرتها على استيعاب المنجزات الحضارية وتنمية المهارات اللغوية لدى هؤلاء الطلاب..
ولا أريد أن أخوض في الشبه التي يرددها أعداء العربية وأذنابهم من بني جلدتنا في أن العربية لا عهد لها بالمخترعات والمكتشفات الحديثة، وأن العربية لغة بداوة تفتقر إلى التجريد، ولا تستطيع حمل المصطلحات الحضارية، وهذه شبه واهية أوهى من بيت العنكبوت، تقوم على مقدمات تبين فسادها فالحضارة العربية والتاريخ يشهدان بعكس ذلك.
وقد نسي أو تناسى من يدعي جمود اللغة العربية عن مواكبة العصر، أن اللغة أي لغة لا تجمد بنفسها، ولا تتخلف بطبيعتها، كما أنها في المقابل لا تنمو وتزدهر منعزلة عن مجتمعها وما يجري فيه من أحداث.
يقول الدكتور كمال بشر:"إن جمود اللغة وتخلفها، ونموها وازدهارها، كل أولئك يرجع أولًا وأخرًا إلى وضع أهليها، وإلى نصيبهم من التعامل والتفاعل مع الحياة، وما يجري، في العالم من أفكار وثقافات ومعارف جديدة ومتنامية، فإن كان لهم من ذلك كله حظ موفور انعكس أثره على اللغة، وإن قل هذا النصيب أو انعدم، بقيت اللغة على حالها دون حراك أو تقدم، اللغة لا تحيا ولا تموت بنفسها، وإنما يلحقها هذا الوجه أو ذاك بحسب الظروف والملابسات التي تحيط بها، فإن كانت الظروف فاعلة غنية بالنشاط العلمي والثقافي والفكري، كان للغة استجابتها الفورية ورد فعلها القوي تعبيرًا عن هذه الظروف وأمارة ما يموج به المجتمع من ألوان النشاط الإنساني، وإن حرمت اللغة من هذا التفاعل ظلت على حالها وقدمت للجاهلين فرصة وصمها بالتخلف والجمود، في حين أن قومها هم الجامدون المتخلفون" (33) .