ونعتقد أن ترجمة بعض أعمال الأمير عبد القادر بن محيي الدين الشريف تعتبر منعطفًا هامًا في هذا التلاقي، وقد يكون كتاب (Le livre d'Abdelkader) قديم نسبيًا (1855) لكن تاريخ الترجمة سيذكّر أن صاحبه خطا خطوة واسعة نحو التخلص من عقدة العداء، والتي كانت مستحوذة على عقول كثيرة وحقول معرفية عديدة، أثرت تأثيرًا سلبيًا في تلاقح تجارب الأمم والشعوب، وهدمت ضمائر المعرفة العالمية. ذلك أن الثقافات هي نتيجة منطقية لعملية اندماج واسع ومعقد، وبالتالي فإن حالة الواقع الفرنسي- الجزائري لا تشكل في ذلك نشازًا.
ونعتقد أن هذه هي الروح التي نشأ معها ما يعرف باللقاء الفرنسي- الجزائري الذي رأى النور بباريس من خلال ترجمة هذا المؤلف، والذي بفضله يكون المترجم والأمير عبد القادر الكاتب قد قدما لضفتي المتوسط فرصة مناسبة لتطوير روح التسامح والتفاهم والحوار.
تحمل هذه الترجمة بين أوراقها تأريخًا لقرون من التعايش في هذا الفضاء المشترك. ذلك أن الذي يريد البحث عن هويته في انطوائه على ذاته فيكون مصيره الفشل. أما من يتوخى البحث عن ذاته في ذلك الآخر البعيد، يقبله ويعتبره ميزة شخصية، يكون قد أسهم بشكل كبير في فهم إيجابي لهذا الواقع.
ويبدو أن هذا الوصف للقواسم المشتركة بين المؤلف والمترجم سيكون ناقصًا إذا لم نرفقه من جهتنا بمبادرات أخرى؛ مثل التعريف بهذه الأعمال، تشجيعًا لمبادرات السلام، والتبادل الثقافي. كما أن عملًا من هذا القبيل يقدم عربونًا لعرض يتوخى الحوار بين الشعوب المتوسطية، ويتيح لكثير من المثقفين اكتشاف جزء شبه مجهول من تاريخهم الثقافي.
ونحن اليوم شعوبًا ومثقفين في حاجة إلى أن نسهم بأنشطتنا البحثية في دعم هذه الأهداف، خصوصًا عندما ترتفع أصوات جاهلة تدعو إلى الصدام بين الحضارات.